بآخر العبارة حيث قال : « وهو كما قالوا فافهم » .
ولن يعفى الزجاجي من تعرض أبى على له بعد ذلك - أنه لا يلتزم الهجوم على سيبويه ، فالزجاجى في الحقيقة أميل - إلى تقدير سيبويه حق قدره من الإعظام - ينظر إليه في إنصاف من غير أن يتحامل . ويتجلى ذلك إذ يقول : ونختم الكتاب :
« كتاب الإيضاح عن علل النحو » بمذهب سيبويه « 1 » وما احتج به وما له ، وما عليه لأنه عندنا هو الصواب دون غيره إن شاء اللّه .
وقد رأينا موقف الزجاجي في الإيضاح وتبصيره أصحاب سيبويه وتوجيههم إلى الاعتقاد بما جاء في كتابه عن طريق التدليل المنطقي لا عن طريق التلقين ، وإذا كان أبو علي الفارسي من أصحاب سيبويه ، فإنه يستكثر ، أنفة ، وحمية ، وعصبية - أن يبصره أمثال الزجاجي بعبارات سيبويه ويدله على صحتها ، والفارسي هو من هو في سبر أغوار الكتاب ، والغوص البعيد في أعماقه .
* * * وإذ كان الزجاجي قد التزم المنطق على النحو الذي فصلت في كتابه ، « الإيضاح في علل النحو » ، وبينت منهجه الذي لا يرضى أبا على ، فإن الزجاجي قد ترك المنطق جملة في كتابه الجمل ، فقد أخلى هذا الكتاب من المنطق ، ومسائله ، وأقيسته ، وقضاياه ، وبراهينه ، وتعليله ، وتدليله خلوا يكاد يكون تاما . ونحو الفارسي ملىء بهذه المسائل كما تبين .
وإذن فأبو على يستقل نحو الزجاجي إذا اتصل به على أية حال كان هذا النحو متصلا بالمنطق أو بعيدا عنه .
وأود أن أقرر أن أبا على الفارسي يقترب من الزجاجي منهجا وبعدا عن المنطق في كتابه الإيضاح ، فهو قريب الشبه من كتاب الزجاجي في خلوه من التعليلات الفلسفية ، والتدليلات المنطقية .
وطريقة أبى على إذا ما احتفل بالموضوع : أن يغمره تدليلا ، وتفريعا ، وتعليلا ، ومنطقا ، وتقصيا ، والنحو الذي يرضيه هو ما كان على هذا النحو . وإذ قد خلا نحو الزجاجي من المنطق على النهج الذي يلتزمه الفارسي - فهو لا شك - يرى أن الزجاجي في نحوه لا يسير في تياره ، ولا يجرى في مضماره .
* * *
هامش
( 1 ) في الألف والياء والواو وفي التثنية والجمع إعراب هي أم حروف .