مع الزجاجي في كتابه الجمل
الناس يثنون الثناء المستطاب على جمل الزجاجي وهنا لا بد من تعرف الأسباب التي جعلت الناس يقفون هذا الموقف المتغاير مع أبي على ، وقد تحدثت عن طرف من الأسباب العامة التي دفعت أبا على على أن يقول قولته من أن الزجاجي لم يكن في النحو بذاك ، ولا بد كذلك من أن أستفتى كتاب الجمل كما استفتيت من قبل :
الإيضاح في علل النحو ، واللامات والأخبار للزجاجى ، لأصدر في حكومتى عن تصور ، وأرى مصداق قولة أبى على في معاصره الزجاجي .
أسلوب الزجاجي في الجمل سهل سمح ، لا تعقيد فيه ولا التواء ، ولا أثر للعلل النحوية أو التدليل المنطقي فيه . ومن شواهد هذه النزعة رغبة الزجاجي في تهذيب ألفاظ السابقين وعرضها في ثوب لا يشق على المبتدئين ، ثم رأيناه كذلك يعلل اتجاه بعض الأئمة في تحديد الاسم بأنه أراد تقريب ذلك على الناشئين . هذه النزعة في سماحة التعبير تتصل في رأيي - بناحية أدبية عند الزجاجي ، فقد رأيته في أخباره يروى عن شيوخه أشعار عباس بن الأحنف « 1 » ، وأبى نواس « 2 » ، وعبد اللّه بن المعتز « 3 » ، ويحدث الأخبار الأدبية « 4 » ، ثم هو متصل بالمبرد الأديب يروى عن شيخه الزجاج « 5 » عنه ، كل ذلك مما ألبس كتاب الجمل ثوبا سمحا يسيرا فاشتهر عند الناس ورضى عنه المتأدبون .
وآية شهرة كتاب الجمل أن الأنباري قال وهو يقدمه بالحديث عنه : « أنه المشهور في أيدي الناس « 6 » ، وكذلك فعل السيوطي حيث قال : « عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي « صاحب الجمل » « 7 » ولم يذكر ما يعرفه به سواه .
وربما كان من أسباب شهرة كتاب الجمل تلك الطريقة التي اتبعها صاحبه في تأليفه ، وهذا الجو التعبدي الذي أحاطه به ؛ فقد ألفه بمكة ، وكان إذا فرغ من باب طاف أسبوعا « 8 » ، ودعا اللّه بالمغفرة ، وأن ينفع بكتابه وقراءته « 9 » . والناس يتلمسون
هامش
( 1 ) ورقة 36 .
( 2 ) ورقة 64 .
( 3 ) ورقة 39 .
( 4 ) انظر ورقات 39 ، 44 ، 47 ، 52 ، 56 وما بعدها .
( 5 ) انظر ورقة 36 .
( 6 ) نزهة الألباء 204 .
( 7 ) بغية الوعاة 297 .
( 8 ) بغية الوعاة 297 .
( 9 ) شذرات الذهب 2 / 357 .