المنطقية فيه . فهل تراه بعد ذلك بلغ مبلغ الفارسي في التعليل والتدليل والقياس ؟
وهل إذا سمع كلام أبى على في النحو استحيا أن يتكلم فيه ؟
الحق أن الزجاجي يختلف منهجه عن منهج الفارسي في تناول مسائل المنطق :
الفارسي يمزجها مزجا بالنحو ، فهو إذ يقايس أو يعلل أو يبرهن ، أو يذكر القضايا يجعل ذلك وغيره من مسائل المنطق - في ثنايا نحوه وتضاعيفه ، يورده ويتحدث عنه ، حتى يصير المنطق مع نحوه وحدة لا تتجزأ ، وكيانا متضامنا لا ينفصل « 1 » .
أما الزجاجي فسبيله غير سبيل الفارسي في ذلك : المنطق يرد بمسائله في جنب مسائل النحو ، ولكنه لا يخالطه ، ولا يمتزج به ، حتى إنك لتستطيع فصل المسائل المنطقية التي وردت في كتاب علل النحو عن المسائل النحوية ، وتقول : هذا منطق الزجاجي ، وهذا نحوه ومن هنا كان منطقه منقولا عن غيره .
حقيقة ظهرت الفلسفة والمنطق ممتزجين في خطبته التي صدر بها الكتاب ، وقد عرضت إلى شئ من ذلك ، ودللت عليه ، ولكنه حين تناول المسائل النحوية لم يستطع أن يمزج ما يعلم من المنطق بما يقول في النحو .
وأرجع بك مرة أخرى إلى الحديث الذي أداره حول حد الاسم مثلا : تراه أقحم الكلام عن الحدود ، وأنها لا يجوز أن تختلف اختلاف تضاد وتنافر ، وأورد تعاريف الفلاسفة للفلسفة ، وقد أحس هو أنه نقل هذا نقلا من الفلاسفة ، واعتذر من ذلك حيث يقول : « وإنما ذكرنا هذه الألفاظ في تحديد الفلسفة « 2 » الخ . . . وكذلك شأنه حين يتفلسف في بقية كتبه التي رأيت ، فقد قرأت له في كتابه المسمى « بأخبار الزجاجي قوله : وليس بين العلماء فيما ذكرناه في النفي خلاف « 3 » وكفى المخالف هذا بخروجه مما تشهد الجماعة بصحته دليلا على خطئه ، وانقطاعه . . .
ثم قال : وقد رتب العلماء للانقطاع مؤلفات وبينوا لها وجوها ، وأخذ يعدد هذه الوجوه يذكر أضرب الانقطاع ويشرح كل ضرب . . . فالضرب الأول كذا ، والضرب الثاني ألا تضطرد العلة في المعلول . . . والضرب الثالث هو أن يؤول الأمر بمن يناظره إلى أن يعتقد المحال . . . والضرب الأخير من الانقطاع أن يرد على الخصم ما لا يعرف وجهه فيقر بالحق « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر في هذا الفصل بين الرماني والفارسي .
( 2 ) راجع النص في مكانه من هذا الفصل .
( 3 ) يريد نفى الزمان والمكان الموجودة فيه الأسماء لأن النفي يتصل بذاتها .
( 4 ) أخبار الزجاجي ورقة 51 .