والإفتاء في جامع الرصافة خمسين سنة « 1 » ، أثر في ذلك كله ، أما فيما يتعلق بأبى على الفارسي فلم يتناقل المترجمون ما ذكره أبو حيان من أنه كان يشرب ويتخالع ، ويفارق هدى أهل العلم ، وطريقة الربانيين ، وعادة المتنسكين ، ولا تعيننا النصوص الصريحة على تأييد ذلك ، اللهم إلا ما ذكره ياقوت في معجم الأدباء مما يدل على عدم الوفاء ، « 2 » وقد ناقشت هذه الرواية في الفصل المعقود لأخلاقه .
وبعد : فانا مع ابن حيان في تفضيل أبي سعيد السيرافى على أبى على الفارسي لما له من خلق كريم ، ولما اختص به من شرح الكتاب ، ولأنه ارتفع في هذه الدنيا بعلمه ، فلم يعرف أنه اتصل بملك يعلى ذكره ، وينشر في الآفاق خبره كأبى على الفارسي وقد جعل ابن جنى الاتصال بالملوك مشغلة عن العلم والتفكير فيه « 3 » ، فالسيرافى أشبه بالرجل العصامى الذي يبنى مجده معتمدا على جده .
ولكني لا أهبط بأبى على إلى الدرك الذي أنزله به أبو حيان ، فأبو حيان ينظر إليه بعين متعصبة عليه ، معصوبة عن فضله ، وإذا كان لأبى سعيد شرح الكتاب - وكانت له إلى جانبه مشاركة جيدة في الفقه والفرائض والإفتاء والقضاء ونظم القريض ، وعده معاصره الزبيدي بين اللغويين ، كما ظفر بالفلج على متى بن يونس رئيس المنطقيين ، إذا كان لأبى سعيد ذلك فإن أبا على له الحجة ، وهو كتاب جامع لفروع شتى من العربية . والثقافة الإسلامية ، ومن أجله طلب أبو العلاء المعرى - في رسالة الغفران - من أولئك الذين امترسوا بأبى على يوم القيامة - ألا يعنتوه ، فإنه يمت بكتابه في القرآن المعروف ( بكتاب الحجة ) « 4 » ، وناهيك بها إشارة ترفع الشيخ درجات ، وتحط عنه ما لحق به من أو زار وهنات ، وقد كتب اللّه على نفسه « إن الحسنات يذهبن السيئات » .
هامش
( 1 ) ياقوت 8 / 150 .
( 2 ) معجم الأدباء 7 / 255 .
( 3 ) الخصائص 1 / 286 .
( 4 ) رسالة الغفران 154 .