وقد كان هناك مجال ظهر فيه فضل أبي سعيد ، ذلك ما كان بينه وبين متى بن يونس من المناظرة المشهورة ، وسبب شهرتها أنها كانت بين علمين : أحدهما نحوى ، والآخر رئيس المناطقة في عصره : هو أبو بشر متى بن يونس « 1 » ، ثم كانت في مجلس وزير يهتم بمجالسة العلماء والمشاركة في فنونهم هو ابن الفرات « 2 » ، ثم كانت كذلك على ملأ من الناس الأعلام ، وفيهم الخالدي وابن الأخشاد . . .
وقدامة بن جعفر ، والزهري وعلي بن عيسى الجراح ، وابن يحيى العلوي ، وزاد من أهميتها وذيوع فضل صاحب الفلج فيها أن حضرها رسول ابن طغج من مصر ، والمرزباني صاحب آل سامان « 3 » .
وموضوع المناظرة التي وقعت بين السيرافى ومتى ما كان يقوله متى : « لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل ، والصدق من الكذب ، والخير من الشر ، والحجة من الشبهة ، والشك من اليقين - إلا بما حويناه من المنطق ، وملكناه من القيام به ، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده ، فاطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه « 4 » » .
وقد رغب ابن الفرات إلى مجالسيه في مناظرة متى ، فتزامروا ، وتغامزوا ، واعتذر السيرافى من تغامزهم وتزامرهم ، فقال الوزير : « أنت لها يا أبا سعيد ! فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار لنفسك ، والانتصار لنفسك راجع إلى الجماعة بفضلك » .
وهكذا هاج ابن الفرات أبا سعيد ، وأغراه بمحاجة أبى بشر ، وبان منذ اللحظة الأولى تحيز ابن الفرات للسيرافى ، وتعصبه له على متى بن يونس ، وواجه السيرافى متى قائلا : « حدثني عن المنطق ما تعنى به » . وعرف متى المنطق تعريفا مضمونه أنه « ما يعرف به صحيح الكلام من سقيمه ، وفاسد المعنى من صالحه » ، وخطأه أبو سعيد زاعما أن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف ، والإعراب المعروف عند المتكلمين بالعربية » « 5 » .
وقد اشتغل أبو سعيد ضعف « متى » في العربية ، فأصلاه نارا حامية ،
هامش
( 1 ) الفهرست 368 .
( 2 ) الإمتاع 1 / 108 .
( 3 ) المصدر السابق .
( 4 ) الإمتاع 1 / 108 ، وياقوت 8 / 190 والمقابسات 68 .
( 5 ) الإمتاع 1 / 111 .