فأبو سعيد يجول به في ميادين النحو جولات يضيق بها صدره . ويتعصب متى ليونان ، وأنهم أصحاب عناية بالحكمة ، وينكر أبو سعيد ما لهم من فضل ، ويقرر أن العلم مبثوث في العالم ، والصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض ، ويسأله عن حرف واحد دائر في كلام العرب - هو الواو - ، ومعانيه متميزة عند أهل العقل « 1 » ويدعوه أن يستخرج معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الذي يدل به ، ويباهى بتفخيمه : فيبهت متى ، ويقرر أنه لا حاجة بالمنطق إليه ، وبالنحوى حاجة شديدة إلى المنطق « 2 » ، لأن المنطق يبحث عن المعنى ، والنحو يبحث عن اللفظ « 3 » ، ويندفع السيرافى مبرهنا على أن النحوي كالمنطقى ينظر في المعنى كما ينظر في اللفظ « 4 »
وضرب أبو سعيد مثلا بالكندى وتعلقه بالمنطق ، وما جره عليه ذلك التعلق من شرور تشمت العدو ، وتغم الصديق » .
وهكذا يجتمع على « متى » ضعفه في النحو ، وتعصب ابن الفرات عليه ، ذلك التعصب البادى في كثير من عباراته ، ورباطة جأش أبي سعيد ، وتصرف لسانه ، وفيض بنانه ، وانثيال خواطره ، وتلجلج مناظره ، وتسجيل المجلس ذلك في الواحه ومحابره ، فيتقوض الجمع وقد حاك السيرافى طرازا لا يبليه الزمان ، ولا يتطرق إليه الحدثان .
وحق على أبى على الفارسي وقد حدث بما كان أن يكتم الحسد لنظيره - أبي سعيد - على ما فاز به من هذا الخبر المشهور ، والثناء المذكور » .
ذلكم موقف من المواقف التي رفعت ذكر أبي سعيد السيرافى ، وإن كانت الفرصة لم تتح لأبى على الفارسي أن يحضر هذا المجلس ، ولعله لو حضر لكان له فيه مجال ، ولقال - وهو الجدل - وصال في ذلك الميدان ، ولكنها الأقدار تؤاتى بعضا وتعرض عن بعض ، وللّه في خلقه شؤون !
هذا وقد فضل أبو سعيد على أبى على بما اشتهر عنه من خلق كريم ، فأبو سعيد زاهد متأله ، متحرج « 5 » ، يأكل من كسب نفسه ، جميل الطريقة حسن الأخلاق « 6 » ، يصوم الدهر ، ويصلى في جماعة « 7 » ، وربما كان لتوليه منصب القضاء ببغداد ،
هامش
( 1 ) الإمتاع 1 / 112 .
( 2 ) الإمتاع 1 / 114 .
( 3 ) المقابسات 74 .
( 4 ) الإمتاع 1 / 118 .
( 5 ) الإمتاع 2 / 177 .
( 6 ) نزهة الألباء 206 ووفيات الأعيان 360 .
( 7 ) الإمتاع 1 / 132 .