ونفس المسلك يطبقه الغزالي على آية الكرسي ليثبت أنها « سيدة القرآن » بالمعنى الحرفي للسيادة . يقول وأما السؤدد فهو عبارة عن رسوخ معنى الشرف الذي يقتضي الاستتباع ويأبى التبعية . . . وآية الكرسي تشتمل على المعرفة العظمى التي هي المتبوعة والمقصودة التي يتبعها سائر المعارف فكان اسم السيدة بها أليق . فتنبه لهذا النمط من التصرف من قوارع القرآن وما يتلوه عليك ليغزر علمك وينفتح فكرك فترى العجائب والآيات وتنشرح في جنة المعارف وهي الجنة التي لا نهاية لأطرافها إذ معرفة جلال اللّه وأفعاله لا نهاية لها . « 1 »
إن السيادة هنا تعني أن مضمون آية الكرسي يتركز على علم العلوم ، أرقى العلوم من حيث القيمة ، وهو العلم الأول في تصنيف الغزالي ، وهو علم معرفة اللّه . وإذا كان العلم ينقسم إلى ثلاثة فروع هي علم الذات وعلم الصفات وعلم الأفعال فان آية الكرسي تضم هذه الفروع الثلاثة . وإذا كانت سورة « الاخلاص » قد عدلت « ثلث » القرآن مع أن مضمونها قد اختص بعلم « الذات » فقط ، فما أحرى آية الكرسي التي اتسع مضمونها للذات والصفات والأفعال أن تكون « سيدة القرآن » .
وقد ذكرنا لك أن معرفة اللّه تعالى ومعرفة ذاته وصفاته هي المقصد الأقصى من علوم القرآن وأن سائر الأقسام مرادة له ، وهو مراد لنفسه لا لغيره فهو المتبوع وما عداه التابع .
وهي سيدة الاسم المقدم الذي يتوجه إليه وجوه الأتباع وقلوبهم فيحذون حذوه وينحون نحوه ومقصده ، وآية الكرسي تشمل على ذكر الذات والصفات والأفعال ليس فيها غيرها :
قوله
اللَّهُ
إشارة إلى الذات .
وقوله
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
إشارة إلى توحيد الذات .
وقوله
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
إشارة إلى صفة الذات وجلاله .
فان معنى القيوم هو الذي يقوم بنفسه ويقوم به غيره فلا يتعلق قوامه بشيء ، ويتعلق به قوام كل شيء ، وذلك غاية الجلال والعظمة .
قوله
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
تنزيه وتقديس له عما يستحيل عليه من أوصاف الحوادث ، والتقديس عما يستحيل أحد أقسام المعرفة ، بل هو أوضح أقسامها .
وقوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
إشارة إلى الأفعال كلها وأن جميعها منه مصدره واليه مرجعه .
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 49 .