تصورات الغزالي كلها - رغم ما لقيته بعد ذلك من شيوع وانتشار - تعارض المقاصد الأولية للوحي وللشريعة معا . ان ما لقيه فكر الغزالي من ذيوع وقابلية في الأجيال التالية له حتى صار نسقه الفكري مهيمنا على الخطاب الديني المسيطر هيمنة شبه تامة ، أمر يحتاج إلى التحليل والتفسير . ويكفينا هنا أن نقول إن جانبا من هذا الذيوع يمكن تفسيره بثنائية النسق الفكري الذي يطرحه الغزالي حيث قدم للعامة وسيلة للخلاص بسلوك طريق الآخرة ، وقدم للطبقات المسيطرة - للحكام والسلاطين - أيديولوجية النسق الأشعري بكل ما ينتظم في هذا النسق من تبريرية وتلفيقية ليس هنا مجال مناقشتها . لم يكن يمكن للنسق الغزالي أن يهيمن ويسيطر إلا والواقع الاجتماعي السياسي للعالم الاسلامي يعاني التفسخ الداخلي بين طبقات الأمة - وهو تفسخ لم يحسمه صراع حقيقي اجتماعي أو فكري ، لأن هذا التفسخ قد زامنته سيطرة المستعمر وتحالفه مع قوى الاستغلال الداخلية في الأوطان الاسلامية . في ظل هذه الأزمة المركبة ما زال فكر الغزالي يقدم الغذاء والدواء ، بتبرير الواقع وتأجيل الحل والخلاص إلى ما بعد الموت .
ولا شك أن استخدام الغزالي لمفردات الجواهر والدرر واليواقيت للدلالة على أقسام القرآن يمكن أن تعد من منظور هذا التحليل وسائل وأدوات تعويضية لأهل الآخرة من جانب ولعوام المسلمين من جانب آخر . ولا شك أن هذا كان مقدمة للتعامل مع النص المكتوب - المصحف - بوصفة « شيئا » ثمينا في ذاته بصرف النظر عن القدرة على قراءته ناهيك عن فهمه . هكذا تحول النص تدريجيا إلى « شيء » ثمين في ذاته ، وتم « تشييئه » في الثقافة فصار حلية للنساء ورقية للأطفال وزينة تعلق على الجدران وتعرض إلى جانب الفضيات والذهبيات .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 297
مساهمون: نصر حامد أبو زيد
ص٢٩٧