وقوله :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
إشارة إلى انفراده بالملك والحكم والأمر وأن من يملك الشفاعة فإنما يملك بتشريفه إياه والاذن فيه ، وهذا نفي للشركة عنه في الملك والأمر .
وقوله :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
إشارة إلى صفة العلم وتفصيل بعض المعلومات والانفراد بالعلم حتى لا علم لغيره من ذاته . وان كان لغيره علم فهو من عطائه وهبته على قدر ارادته ومشيئته .
وقوله :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
إشارة إلى عظمة ملكه وكمال قدرته ، وفيه سر لا يحتمل الحال كشفه ، فان معرفة الكرسي ومعرفة صفاته واتساع السماوات والأرض معرفة شريفة غامضة ، ويرتبط بها علوم كثيرة .
وقوله :
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
إشارة إلى صفات القدرة وكمالها وتنزيهها عن الضعف والنقصان .
وقوله :
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
إشارة إلى أصلين عظيمين في الصفات ، وشرح هذين الوصفين يطول :
والآن إذا تأملت جملة هذه المعاني ثم تلوت جميع آيات القرآن لم تجد جملة هذه المعاني من التوحيد والتقديس وشرح الصفات العلى مجموعة في آية واحدة منها . فلذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( سيدة آي القرآن ) فان ( شهد اللّه ) ليس فيه إلا التوحيد . و
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
ليس فيه إلا التوحيد والتقديس ، و
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
ليس فيه إلا الأفعال وكمال القدرة .
و ( الفاتحة ) فيها رموز إلى هذه الصفات من غير شرح ، وهي مشروحة في آية الكرسي ، والذي يقرب منها في جميع المعاني آخر الحشر وأول الحديد إذا اشتملا على أسماء وصفات كثيرة . ولكنها آيات لا آية واحدة إذا قابلتها بإحدى تلك الآيات وجدتها أجمع المقاصد ، فلذلك تستحق السيادة على الآي . وقال صلّى اللّه عليه وسلم ( هي سيدة الآيات ) كيف لا وفيها الحي القيوم وهو الاسم الأعظم ، وتحته سر ويشهد له ورود الخبر بأن الاسم الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران ، وقوله :
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
« 1 » .
في هذه المقارنات التي يعقدها الغزالي بين آية الكرسي وبين بعض الآيات والسور نجده يلحّ دائما على قيمة المضمون الذي تدل عليه الآية ، أو تشير اليه بالتأويل الصوفي .
وإذا كانت آية الكرسي قد جمعت بين الإشارة إلى الذات والصفات والأفعال وبين التوحيد
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 45 - 47 .