عظيمان . وقد اشتملت الفاتحة من الأقسام العشرة على ثمانية أقسام : الذات والصفات ، والأفعال ، وذكر المعاد ، والصراط المستقيم بجميع طرفيه أعني التزكية والتحلية ، وذكر نعمة الأولياء ، وغضب الأعداء . ولم يخرج منه إلا قسمان محاجة الكفار وأحكام الفقهاء ، وهما الفنان اللذات يتشعب منهما علم الكلام وعلم الفقه ، وبهذا يتبين أنهما واقعان في الصنف الأخير من مراتب علوم الدين ، وانما قدمهما حب المال والجاه فقط « 1 » .
وهكذا نرى أن الغزالي كان عليه في سبيل تحقيق المعنى الحرفي لكون سورة الفاتحة أفضل القرآن ألا يكتفي بتوسيع الأقسام الستة للقرآن بحيث تصبح عشرة فقط ، بل كان عليه أيضا أن يقوم بتأويل دلالات الآيات بحيث تتسع كل منها للإشارة إلى أحد هذه الأنواع العشرة . ومن اللافت للانتباه أن يجعل الغزالي « الحمد » أصل الصراط المستقيم وذلك بناء على تصوره الصوفي للايمان العملي بأنه يقوم على ساقين : أحدهما الصبر والثاني الشكر .
وكذلك من اللافت أن يتحول الدعاء
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
إلى التعبير عن الصراط المستقيم أيضا بجانبيه من التزكية والتحلية ، ثم يجعل
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
دعاء هو مخ العبادة ، وكان الأقرب إلى السياق أن تعبر
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
عن العبادة بالمعنى الشامل وأن يكون
( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )
دالة على ما تنص عليه لفظا . ثم يكون تأويله للآية الأخيرة من السورة مفاجئا حيث يجعلها دالة على القصص القرآني لمجرد ذكر
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
وذكر
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
و
الضَّالِّينَ
. ولا شك أن ادخال البسملة في مجال السورة هو الذي جعل الغزالي يتوقف عند
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في صلب السورة محاولا ربطها بالآية السابقة والآية اللاحقة ، ولو فصل الغزالي « البسملة » لكانت الآية في صلب السورة دالة على الصفات .
إن غاية الغزالي من كل هذه العمليات التأويلية جذب السورة وتوسيع دلالاتها واشاراتها لكي تكون « أفضل القرآن » بالمعنى الحرفي للأفضلية وهو الجمع لفنون كثيرة من أنواع العلوم التي يمكن أن تستنبط من القرآن .
والسر في هذا التخصيص أن الجامع بين فنون الفضل وأنواعها الكثيرة يسمى فاضلا ، فالذي يجمع أنواعا أكثر يسمى أفضل فان الفضل هو الزيادة ، فالأفضل هو الأزيد . . . وإذا رجعت إلى المعاني التي ذكرناها . . . علمت أن الفاتحة تتضمن التنبيه على معان كثيرة ومعان مختلفة فكانت أفضل « 2 » .
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 42 - 43 .
( 2 ) جواهر القرآن : ص 49 .