تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
والتقديس ، كما أنها تضمنت الاسم الأعظم فلا شك أنها تستحق أن تتبوأ مكان السيادة على آيات القرآن . ويبقى بعد ذلك سؤال ملح : لما ذا هذا الاصرار على أن لبعض السور والآيات مكانة خاصة تتفوق بها على ما سواها من السور والآيات ؟ وللإجابة على هذا السؤال لا بد أن نستحضر كل تصورات الغزالي للوجود والحياة ولغاية الدين وللنص ولوظيفته . وقد سبقت لنا الإشارة إلى أن مفهوم الغزالي للنص قد حوله إلى شفرة خاصة لا يستطيع مقاربة فك رموزها إلا الصوفي العارف المتحقق . ونتيجة لذلك لم يبق للانسان العادي - المسلم العامي - إلا أن يقنع بالتلاوة وفهم المستوى الظاهر من دلالة النص ، وهو المستوى النقلي أو ما عرف بالتفسير بالمأثور . وأصبح على الصوفي العارف أن يزوّد هذا الانسان العادي ببعض جواهر النص القليلة لعله بالنظر إليها - دون امتلاكها بالوعي والفهم والتأويل - يلمح بعض بريقها ، ولعل هذا البريق الخاطف يجذبه إلى سلوك الطريق الصوفي ، طريق الخلاص والنجاة والفوز الحقيقيين . لذلك يحرص الغزالي بعد هذا البيان لبعض الآيات والسور ذات المكانة الخاصة في النص أن يسرد الآيات الجواهر الدالة على معرفة اللّه في سلك واحد ، ثم يضم في سلك آخر الآيات الدّرر الدالة على الطريق المستقيم . ويشرح لنا اقتصاره على هذين النمطين بقوله . اعلم أنا اقتصرنا من ذكر الآيات على نمط الجواهر والدرر لمعنيين : أحدهما أن الأصناف الباقية أكثر من أن تحصى ، والثاني أن هذا هو المهم الذي لا مندوحة عنه أصلا ، فان الأصل هو معرفة اللّه تعالى ثم سلوك الطريق اليه . فأما أمر الآخرة فيكفي فيه الايمان المطلق . فإنه للعارف المطيع معادا مسعدا ، وللجاحد العاصي معادا مشقيا . فأما معرفة تفصيل ذلك فليس بشرط في السلوك ، لكنه زيادة تكميل للتشويق والتحذير « 1 » . وهكذا يفتت النص إلى مهم وإلى أقل أهمية ، إلى أصول وزيادات وتكميلات . ويكفي أن حصر الغزالي للجواهر والدرر من آي القرآن قد أدى إلى استبعاد ست عشرة سورة كاملة ، تعد - في ظل هذا التصور - من الزيادات التي لا تحتوي على الأصول ولو بالإشارة . ومن جهة أخرى لا تصل نسبة الآيات الدالة على الأصول المهمة في القرآن إلى ربع مجموع آيات القرآن . ولا شك أن مكمن الخلل في هذا التصور راجع إلى مشروع الغزالي كله ، وهو مشروع قلب - كما سلفت الإشارة - كل شيء بدءا من الوجود وانتهاء إلى النص . ويكفي أنه مشروع حوّل النص إلى مجموعة من الأسرار الغامضة تتفاوت في أهميتها وفي قيمتها . ويكفي أن
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 167 .