المستقيم قوله تعالى :
( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )
، أما قوله تعالى :
( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )
فهو داخل في القصص ( بالإشارة ) ويدل على أحوال الأولياء السالكين ، في حين يدل في الآية
( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ )
على أحوال الأعداء الناكثين . ويبقى من صلب السورة قوله تعالى :
( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ )
، وهي قد تبدو تكرارا للصفات الواردة في البسملة ، وليس كذلك فصفتا الرحمن والرحيم تربطان بين المجالين : السابق - رب العالمين - وهو مجال الأفعال وبين المجال اللاحق - مالك يوم الدين - وهو مجال المعاد . ان ما عبر عنه القدماء السابقون للغزالي ، بالقول إن الرحمن صيغة مبالغة من الرحمة فهي صفة أشمل من « الرحيم » وبالتالي فالرحمن هو رحمن الدنيا والآخرة والرحيم هو رحيم الآخرة فقط ، يعبر الغزالي عن مثله بطريقة أخرى ، فيرى أن صفات الرحمة تلحق العالمين : عالم الأفعال في الحياة الدنيا وعالم المعاد في الحياة الأخرى . أما مظاهر الرحمة في هذه الحياة الدنيا فإنه خلق كل واحد منهم على أكمل أنواعه وأفضلها وأتاه ما يحتاج إليه . . .
فأما تعلقه بقوله :
( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )
فيشير إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الانعام بالملك المؤيد . . . وشرح ذلك يطول . والمقصود أنه لا مكرر في القرآن . فإن رأيت شيئا مكررا من حيث الظّاهر ، فانظر في سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته . « 1 »
ويشرح الغزالي آيات السورة على الوجه التالي ( انظر الرسم البياني ) :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
نبأ عن الذات . وقوله
( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ )
نبأ عن صفة من صفات خاصة ، وخاصيتها أنها تستدعي سائر الصفات من العلم والقدرة وغيرهما ، ثم تتعلق بالخلق وهم المرحومون تعلقا يؤنسهم به ويشوّقهم اليه ويرغبهم في طاعته لا كوصف الغضب لو ذكره بدلا من الرحمن فان ذلك يحزن ويخوف ويقبض القلب ولا يشرحه .
وقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يشتمل على شيئين : أحدهما أصل الحمد وهو الشكر وذلك أول الصراط المستقيم وكأنه شطره فان الايمان العملي نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر . . .
وقوله تعالى :
رَبِّ الْعالَمِينَ
إشارة إلى الأفعال كلها واضافتها اليه وأوجز لفظ وأتمّه إحاطة بأصناف الأفعال لفظ
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 39 - 42 .