تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
بالاستناد إلى تقسيم لآيات القرآن إلى ستة أنواع يختص كل نوع منها بعلم خاص . ولم ينتبه إلى أنه في هذا الاستناد يستند إلى تصور « تأويلي » سبق له صياغته ، فهو لا يستند إلى حقائق فعلية متفق عليها ، حقائق يمكن أن تكون قابلة للاستيعاب والادراك من كل البشر بحيث يمكن لنا أن نتفق معه على فهمه « الحقيقي » لكلمة « الثلث » . وعلى ذلك لم يلتفت الغزالي إلى تأويله « المجازي » للفظ « الثلث » - ولو تنبه اليه لأنكره ربما - وهو يقول إن سورة الاخلاص « تعدل ثلث الأصول من القرآن كما قال عليه السلام » والرسول لم يقل انها تعدل « ثلث الأصول من القرآن » بل قال - فيما يروي الغزالي - « ثلث القرآن » ، وفارق كبير بين ان تعدل السورة « ثلث القرآن » وبين أن تعدل « ثلث الأصول من القرآن » . لم ينتبه الغزالي إلى أنه بإضافة كلمة « أصول » إلى المفهوم من الحديث قام بعملية تأويل « مجازية » تتعارض مع ما سبق أن زعمه لنا من أن هذه الألفاظ يراد معناها الحرفي الحقيقي . ويمضي الغزالي في شرح الألفاظ الأخرى . وإذا كانت سورة الفاتحة قد وصفت بأنها « أفضل القرآن » فما ذلك إلا لأنها تتضمن ثمانية مناهج - أو علوم - رغم ايجازها وقصر آياتها . وعلينا أن نلاحظ أن تقسيم الغزالي لآيات القرآن وللعلوم التي تستنبط منها إلى ستة يتحتم أن يتسع هنا - بالتفريع والاشتقاق - إلى عشرة أقسام ، وذلك حتى يمكن استيعاب « الثمانية » التي تتضمنها سورة الفاتحة . وان جمعت الأقسام مع شعبها المقصودة في سلك واحد ألفتها عشرة أنواع : ذكر الذات ، وذكر الصفات ، وذكر الأفعال ( وهي تعريفات القسم الأول الخاص بمعرفة اللّه ) . وذكر المعاد ( وهو القسم الثاني ) وذكر الصراط المستقيم ، أعني جانبي التزكية والتخلية ( وهما جانبا الصراط المستقيم وهو القسم الثالث ) وذكر أحوال الأولياء وذكر أحوال الأعداء ( وهما الثواب والعقاب وهو القسم الرابع ) وذكر محاجة الكفار ، وذكر حدود الأحكام ( وهما القسمان الخامس والسادس ) . « 1 » وهكذا يجعل الغزالي البسملة دالة على الذات الإلهية وعلى الصفات معا وذلك بعد أن يجعلها جزءا من السورة . ويجعل « رب العالمين » دالة على الأفعال ، بينما يجعل الجزء الأول من الآية « الحمد للّه » دالا على أول « الصراط المستقيم » . أما تفريعات الصراط المستقيم وهما التزكية والتحلية فتدل عليهما الآية
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
. ويرتبط أيضا بالصراط
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 17 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 290 | نصر حامد أبو زيد