الاخلاص إلا تقديرا لقيمتها الحقيقية بالنسبة لآيات القرآن التي تزيد على ستة آلاف آية ، وذلك رغم أن آيات السورة أربع آيات فقط . وإذا كان التقدير قائما على أساس القيمة والكيف فان الاعتماد على المعيار الكمي - في نظر الغزالي - دليل على الغفلة وقلة المعرفة . ان المعيار الكمي هو نهج أهل الدنيا وأهل الظاهر ، والمعيار الكيفي القيمي هو المعيار الضروري لقياس مستويات النص وادراك تفاوتها . ويخاطب الغزالي من يحتكم إلى الكم قائلا :
فما أراك أن تفهم وجه ذلك ، فتارة تقول هذا ذكره للترغيب في التلاوة وليس المعني به التقدير ، وحاشا منصب النبوة عن ذلك . وتارة تقول هذا بعيد عن الفهم والتأويل وأن آيات القرآن تزيد على ستة آلاف آية ، فهذا القدر كيف يكون ثلثها ؟ وهذا لقلة معرفتك بحقائق القرآن ونظرك إلى ظاهر ألفاظه ، فتظن أنها تكثر وتعظم بطول الألفاظ وتقصر بقصرها ، وذلك كظنّ من يؤثر الدراهم الكثيرة على الجواهر الواحد نظرا إلى كثرتها « 1 » .
وواضح في هذا النص أن ثنائية القشر واللب لا تنطبق على البناء الكلي للنص فقط من حيث تقسيمه إلى لفظ ومعنى ، بل يمكن أن تنطبق أيضا على التقسيم الداخلي للنص ، فليست العبرة بطول الآية أو قصرها ، وليست العبرة بعدد الآيات كثرة وقلة ، بل العبرة بالمحتوى الذي تعبر عنه الآيات ، فكثير من الآيات تطول ، وكثير من السور تكثر آياتها ، لكن ما هو أقل في عدد الآيات ، وما هو أقصر من حيث الطول قد يكون أكثر قيمة من حيث المحتوى . وليس المحتوى الذي تقاس على أساسه قيمة الآيات والسور إلا العلوم التي سبق أن أسهبنا في شرح ترتيبها عند الغزالي . بناء على ذلك التقسيم والترتيب تعدل سورة الاخلاص « ثلث » القرآن حقا وفعلا لا مجازا وتصويرا .
وارجع إلى الأقسام الثلاثة التي ذكرناها في مهمّات القرآن إذ هي معرفة اللّه تعالى ومعرفة الآخرة ومعرفة الصراط المستقيم فهذه المعارف الثلاثة هي المهمة والباقي توابع ، وسورة الاخلاص تشمل على واحد من الثلاث وهو معرفة اللّه وتوحيده وتقديسه عن مشارك في الجنس والنوع وهو المراد بنفي الأصل والفرع والكفؤ ، ووصفه بالصمد بشعر بأنه الصمد الذي لا مقصد في الوجود للحوائج سواه ، نعم ليس فيها حديث الآخرة والصراط المستقيم ، وقد ذكرنا أن أصول مهمات القرآن معرفة اللّه ومعرفة الصراط المستقيم . فلذلك تعدل ثلث الأصول من القرآن كما قال عليه السلام « 2 » .
لقد كان من الضروري للغزالي لكي يجعل من كلمة « ثلث » حقيقة قطعية أن يقوم
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 47 .
( 2 ) جواهر القرآن : ص 47 - 48 .