تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
تصوراتهم النظرية أيضا ، فان ثنائية القشر واللب في تصور الغزالي - وهي عبارة أخرى عن ثنائية اللفظ والمعنى - لا تكف عن ممارسة فعاليتها . لعلك تقول قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض القرآن على بعض والكل قول اللّه تعالى فكيف يفارق بعضها بعضا ؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض ؟ فاعلم أن نور البصيرة ان كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات وبين سورة الاخلاص وسورة تبّت ، وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك الجوّارة المستغرقة بالتقليد ، فقلّد صاحب الرسالة صلوات اللّه وسلامه عليه فهو الذي أنزل عليه القرآن . وقد دلت الأخبار على شرف بعض الآيات وعلى تضعيف الأجر في تلاوة بعض السور المنزلة ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : ( فاتحة الكتاب أفضل القرآن ) وقال صلّى اللّه عليه وسلم : ( آية الكرسي سيدة القرآن ) وقال صلّى اللّه عليه وسلم : ( يس قلب القرآن . وقل هو اللّه أحد تعدل ثلث القرآن ) والأخبار الواردة في فضائل قوارع القرآن بتخصيص بعض الآيات والسور بالفضل - وكثّرت الثواب في تلاوتها - لا تحصى فاطلبه من كتب الحديث ان أردته « 1 » . وإذا قلنا للغزالي ان هذه الأخبار حتى مع افتراض صحتها من حيث السند وسلامتها من حيث المتن - وهو أمر مشكوك فيه - لا يراد من ألفاظها - أفضل وسيدة وقلب وثلث - معناها الحرفي الذي يتبادر إلى الذهن ، بل هي ألفاظ استخدمت استخداما مجازيا للترغيب في التلاوة ومداومة القراءة ، فإن مفهومه للحقيقة والمجاز القائم على العكس والقلب كما سبق أن أشرنا كفيل بأن يجعله يسحب الأرض من تحت أقدامنا . ويساعده على ذلك ويعضد موقفه أن القائل هو الرسول الذي يستخدم الألفاظ استخداما دقيقا ، ومن ثم لا يمكن أن تكون هذه الألفاظ قد وردت على لسانه بحكم الاتفاق . هيهات فان ذلك يليق بي وبك وبمن ينطق عن الهوى لا بمن ينطق عن وحي يوحى . فلا تظنّن أن كلمة واحدة تصدر عنه صلّى اللّه عليه وسلم في أحواله المختلفة من الغضب والرضا إلا بالحق والصدق « 2 » . إن الغزالي يفهم ألفاظ هذه الأخبار فهما حرفيا ، فليس الثلث في تقييم سورة
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص : 37 - 38 . ( 2 ) جواهر القرآن : ص 49 . . . والحقيقة أن الغزالي يكاد في تعامله مع شخصية الرسول أن ينفي عنه صفة الانسانية فيجعل من كل ألفاظه وأفعاله وحركاته وتصرفاته وحيا ويطلب من المؤمن العادي تقليده في كل شيء حتى لحسن قارئ الغزالي أحيانا أن طريق خلاص عوام المؤمنين لا يكون بفهم القرآن بل بتقليد الرسول . وهذه مقاربة خطرة لمفهوم الخلاص في المسيحية كما سبق أن المحنا في دراسة أخرى ، انظر دراستناAl - Ghazali's Theory of Interpretation .