الدنيا وتركوا الحرف الدنيئة والصناعات الخسيسات لبطل النظام ، ثم يبطل ببطلانه الملك أيضا . فالمحترفون انما سخّروا لينتظم الملك للملوك وكذلك المقبلون على الدنيا سخّروا ليسلم طريق الدين لذوي الدين وهو ملك الآخرة . ولولاه لما سلم لذوي الدين أيضا دينهم فشرط سلامة الدين لهم أن يعرض الأكثرون عن طريقهم ويشتغلوا بأمور الدنيا . وتلك قسمة سبقت بها المشيئة الأزلية وإليه الإشارة بقوله تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
. « 1 »
إن المفهوم « الطبقي » واضح هنا في استخدام لفظ « التسخير » فالعمال مسخرون في خدمة الملوك لإقامة ملك الدنيا ، و « أهل الدنيا » مسخرون لخدمة « أهل الآخرة » لكي يستقيم لهم سلوك الطريق . وفي هذا المفهوم يبدو حرص الغزالي على المحافظة على النسق الاجتماعي القائم ما دام هو النسق الوحيد القادر على ضمان الخلاص لأهل الآخرة . ولذلك أيضا نفهم حرصه على الجمع بين نظامين من العقائد وبين طريقين للتأويل .
8 - تفاوت مستويات النص
كان من الطبيعي بعد ذلك كله أن ينعكس مفهوم الغزالي للنص ، ذلك المفهوم النابع من تصوراته المتناقضة ، على فهمه لمستويات النص . وقد سبقت لنا الإشارة إلى تقسيمه لآيات القرآن تبعا لتقسيمه للعلوم التي يمكن استنباطها منها ، ورأينا كيف أن هذا التقسيم في حقيقته يقوم على ترتيب هيرار كي تكون فيه الآيات الأعلى قيمة هي الآيات الدالة على معرفة اللّه ، الآيات الجواهر ، ثم يليها في القيمة الآيات الدالة على الصراط المستقيم وهي الآيات الدرر . ويحرص الغزالي على أن ينص لنا على الآيات الجواهر وعلى الآيات الدرر دون سواها من آيات القرآن وذلك نظرا لقيمتها النابعة من أهميتهما بحكم دلالتهما على « الأصول » الهامة في نسق الغزالي المعرفي « 2 » .
وإذا كان تفضيل بعض أجزاء النص على بعض أمرا مرفوضا في اطار الثقافة الاسلامية بشكل عام تتفق عليه كل الفرق والاتجاهات ، فان للغزالي منظورا آخر يختلف عن هذا الاجماع . يرى الغزالي أن آيات القرآن وسوره تتفاضل من حيث يتفاوت مضمونها . وإذا كان علماء الاسلام على تباين اتجاهاتهم لم يستطيعوا أن يزجّوا بثنائية اللفظ والمعنى في مناقشتهم لاعجاز القرآن ، رغم انطلاقهم من هذه الثنائية في مناقشاتهم النقدية كافة وفي
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : الجزء الثاني : ص 109 - والتشابه واضح بين مفاهيم الغزالي ومفاهيم الخطاب الديني الرسمي المعاصر .
( 2 ) انظر الجدول الملحق الخاص بهذا التقسيم .