تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
حضرة الربوبية وجلالها مع اشراقه وظهوره فإنه أظهر من أن يطلب ، وأوضح من أن يعقل ، ولم يمنع القلوب من الاشتغال بذلك الجمال بعد تزكيتها عن شهوات الدنيا إلا شدة الاشراق مع ضعف الأحداق . فسبحان من اختفى عن بصائر الخلق بنوره ، واحتجب عنهم لشدة ظهوره « 1 » . وهكذا ينتهي الغزالي إلى ما بدأ منه ، ولا يحقق في نظامه الفكري العدالة المفتقدة في الواقع الذي أدانه وهرب منه . إن كل الثنائيات التي بدأ منها الغزالي بدءا من ثنائية الدنيا والآخرة إلى ثنائية الظاهر والباطن والرمز والمرموز اليه والمجاز والحقيقة - تنتهي إلى ثنائية أخرى حادة بين البله - أهل الجنة المادية - وذوي الألباب الذين يتنعمون في جنان المعارف ويحظون بأرقى درجات الخلاص . وإذا كان مفهوم « ذوي الألباب » لا ينطبق إلا على المتصوفة الواصلين العارفين أمكننا القول إن الغزالي انتهى إلى تقسيم طبقي للخلق في الآخرة - بل للمسلمين ان شئنا الدقة - يقع في أسفله العامة ويقف على قمته أهل العرفان . وفي هذا التقسيم الحاد يقع الفقهاء والمتكلمون والفلاسفة بين هذين الطرفين . وإذا كان أدنى درجات الخلاص مضمونا للعامة المتمسكين بعقائد الأشعرية كما شرحها الغزالي فان الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة يتباعدون عن الخلاص بقدر تباعدهم عن هذه العقيدة . وإذا كانت علوم العرفان وحقائق الأشياء ليس مسموحا بكشفها للعامة الذين تكلّ أفهامهم عن دركها « فيصير ذلك فتنة عليهم » « 2 » فمعنى ذلك أن هذا الفاصل الحاد بين العامة والخاصة فاصل لا يمكن تجاوزه أو اقتحامه . فإذا أضفنا إلى ذلك أن الهداية - من منظور الغزالي الأشعري - أمر سابق في العلم الإلهي ومرهون بالإرادة الإلهية لا بالجهد الانساني للفهم واكتساب الوعي ، أدركنا أن الذي أراد للناس في الدنيا هذا التفاوت في الرزق والمكانة هو الذي أراد لهم تفاوت منازلهم في الحياة الآخرة . إن الذي يحقق العدل في منظور الغزالي أن الذين أراد لهم اللّه نعيم الدنيا وزخرفها ومتّعهم بها هم بالضرورة المحرومون من لذائذ الآخرة . ولو أدرك الغزالي أن « الفقر » و « الكفر » غالبا ما يلزم ثانيهما الأول ، ولو أدرك أن « أهل الدين » في حاجة إلى الحد الأدنى من مطالب الحياة لأدرك أن العيب الأساسي كامن في ثنائيته ، أو في ثنائياته ، وفي تحويله لوظيفة الدين وغاية الوحي . وطريق الدين . . . لا يقدر على سلوكه إلا الآحاد . ولو اشتغل الخلق كلهم به لبطل النظام وخرب العالم فان ذلك طلب ملك كبير في الآخرة . ولو اشتغل كل الخلق بطلب ملك
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 50 - 51 . ( 2 ) احياء علوم الدين : الجزء الأول : ص 100 .