تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
جنان العرفان ويتمتع بمداومة النظر إلى وجه اللّه ومعاينة الحقيقة . وشتان بين لذة ولذة ، وبين جنة وجنة . إن العارف في جنة معرفته ينظر إلى تلذذ العوام بالجنة الحسية نظرة الرجل العاقل إلى الصبيان اللاهين . ويكاد الغزالي أن يكرر بعبارات أخرى ما قالته رابعة العدوية حيث سمعت قارئا للقرآن يقرأ « ان أصحاب الجنة في شغل فاكهون » فتعجبت من شغلهم عن اللّه بلذائذ الجنة . يقول الغزالي : واعلم أنه لو خلق فيك شوق إلى لقاء اللّه وشهوة إلى معرفة جلاله أصدق وأقوى من شهوتك للأكل والنكاح لكنت تؤثر جنة المعارف ورياضها وبساتينها على الجنة التي فيها قضاء الشهوات المحسوسة . واعلم أن هذه الشهوة خلقت للعارفين ولم تخلق لك ، كما خلقت شهوة الجاه ( للرجال ) ولم تخلق للصبيان ، وانما للصبيان شهوة اللعب فقط . فأنت تتعجب من الصبيان في عكوفهم على لذة اللعب وخلوهم عن لذة الرئاسة . والعارف يتعجب منك في عكوفك على لذة الجاه والرئاسة فان الدنيا بحذافيرها عند العارف لهو ولعب . ولما خلقت هذه الشهوة للعارفين كان التذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم . ولا نسبة لتلك اللذة إلى لذة الشهوات الحسية فإنها لذة لا يعتريها الزوال ، ولا يغيرها الملال ، بل لا تزال تتضاعف وتترادف وتزداد بزيادة المعرفة والأشواق فيها بخلاف سائر الشهوات إلا أن هذه الشهوة لا تخلق في الانسان إلا بعد البلوغ أعني البلوغ إلى حد الرجال . ومن لم تخلق فيه فهو إما صبي لم تكمل فطرته لقبول هذه الشهوات ، أو عنين أفسدت كدورات الدنيا وشهواتها فطرته الأصلية . فالعارفون لما رزقوا شهوة المعرفة ولذة النظر إلى جلال اللّه فهم في مطالعتهم جمال حضرة الربوبية في جنة عرضها السماوات والأرض بل أكثر وهي جنة عالية قطوفها دانية فان فواكهها صفة ذاتهم وليست مقطوعة ولا ممنوعة إذ لا مضايقة للعارف . والعارفون ينظرون إلى العاكفين في حضيض الشهوات نظر العقلاء إلى الصبيان عند عكوفهم على لذات اللعب . ولذلك تراهم مستوحشين من الخلق ويؤثرون العزلة والخلوة فهي أحب الأشياء إليهم . ويهربون من الجاه والمال فإنه يشغلهم عن لذة المناجاة . ويعرضون عن الأهل والولد ترفعا عن الاشتغال بهم عن اللّه تعالى ، فترى الناس يضحكون منهم فيقولون في حق من يرونه منهم أنه موسوس ظهرت عليه مبادئ الجنون ، وهم يضحكون على الناس لقناعتهم بمتاع الدنيا ويقولون : ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون . والعارفون مشغولون بتهيئة سفينة النجاة لغيره ولنفسه لعلمه بخطر المعاد فيضحك على أهل الغفلة ضحك العاقل على الصبيان إذا اشتغلوا باللعب والصولجان ، وقد أضلّ على البلد سلطان قاهر يريد أن يغير على البلد فيقتل بعضهم ويخلع بعضهم ، والعجب منك أيها المسكين المشغول بجاهك الخطير المنغّص ومالك اليسير المشوش قانعا به عن النظر إلى جمال
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 285 | نصر حامد أبو زيد