فاعلم قطعا أن كل قسم منها مفتاح باب من أبواب الجنة تشهد به الأخبار . فان كنت لا تصادف من قلبك الايمان والتصديق به وطلبت فيه المناسبة فدع عنك ما فهمته من ظاهر الجنة فلا يخفى عليك أن كل قسم يفتح باب بستان من بساتين المعرفة . . . ولا تظن أن روح العارف من الانشراح في رياض المعرفة وبساتينها أقل من روح من يدخل الجنة التي تعرفها ويقضي فيها شهوة البطن والفرج وأنّى يتساويان . بل لا ينكر أن يكون في العارفين من رغبته في فتح أبواب المعارف لينظر إلى ملكوت السماء والأرض وجلال خالقها ومدبرها أكثر من رغبته في المنكوح والمأكول والملبوس . وكيف لا تكون هذه الرغبة أكثر وأغلب على العارف البصير وهي مشاركة للملائكة في الفردوس الأعلى إذ لا حظّ للملائكة في المطعم والمشرب والمنكح والملبس . ولعل تمتع البهائم بالمطعم والمشرب والمنكح يزيد على تمتع الانسان فان كنت ترى مشاركة البهائم ولذاتهم أحق بالطلب من مساهمة الملائكة في فرحهم وسرورهم بمطالعة جمال حضرة الربوبية فما أشد غيّك وجهلك وغباوتك وما أخسّ همتك ، وقيمتك على قدر همتك . وأما العارف إذا انفتح له ثمانية أبواب من أبواب جنة المعارف واعتكف فيها ولم يلتفت أصلا إلى جنة البله ، فإن أكثر أهل الجنة البله ، وعليون لذوي الألباب كما ورد في الخبر . وأنت أيها القاصر همتك على اللذات قبقبة وذبذبة كالبهيمة ولا تنكر أن درجات الجنان إنما تنال بالمعارف فإن كانت رياض المعارف لا تستحق أن تسمى في نفسها جنة فتستحق أن يستحق بها الجنة فتكون مفاتيح الجنة فلا تنكر أن في الفاتحة مفاتيح جميع أبواب الجنة « 1 » .
فتنبه لهذا النمط من التصرف في قوارع القرآن وما يتلوه عليك ليغزر علمك وينفتح فكرك فترى العجائب والآيات وتنشرح في جنة المعارف وهي الجنة التي لا نهاية لأطرافها إذ معرفة جلال اللّه وأفعاله لا نهاية لها ، فالجنة التي تعرفها خلقت من أجسام فهي وإن اتّسعت أكنافها فمتناهية إذ ليس في الإمكان خلق جسم بلا نهاية فإنه محال . وإياك أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير فتكون من جملة البله وإن كنت من أهل الجنة .
قال صلّى اللّه عليه وسلم : ( أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب ) « 2 » .
إن غاية ما يطمح اليه المسلم العادي اذن هو الوصول إلى « الجنة » الحسية بكل ما تمتلئ به من لذائذ حسية من مأكل ومشرب ونكاح ، على حين يجتاز الصوفي العارف هذه الآفاق إلى لذائذ ومتع أخرى لا تكاد تقاس إليها لذائذ الجنة الحسية ومتعها ، انه يتنعم في
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 43 - 44 .
( 2 ) جواهر القرآن : ص 49 .