تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
المحقق . وهذا فارق هام بين الغزالي وابن عربي الذي يرى أن لكل اجتهاد وجها إلى الحقيقة به يتحقق خلاص صاحبه . في نظر الغزالي عليك إما أن تكتفي بعقيدة العوام أو تسلك طريق التصوف ، وهو طريق لا يستطيع الوفاء بمتطلباته إلا أقل القليل من البشر وهم الخاصة . فإذا سلكت مسلك أهل العقل من معتزلة أو فلاسفة لفهم الواقع والوجود والشريعة فأنت هالك لا محالة . هنا نجد الغزالي المتمسك بالتفسير الحرفي لظواهر آيات القيامة والحساب والنشر والثواب والعقاب - من منظور أشعري - يدين الفلاسفة لوقوفهم عند ظواهر هذه الآيات والأحاديث ، وهو وقوف انتهى بهم - فيما يرى الغزالي - إلى الكفر والالحاد والهلاك المحقق . رأينا من طوائف المتفلسفين من تشوشت عليهم الظواهر وانقدحت عندهم اعتراضات عليها وتخايل لهم ما يناقضها فبطل أصل اعتقادهم في الدين وأورثهم ذلك جحودا باطنا في الحشر والنشر والجنة والنار والرجوع إلى اللّه تعالى بعد الموت وأظهروها في سرائرهم وانحل عنهم لجام التقوى ورابطة الورع ، واسترسلوا في طلب الحطام وأكل الحرام واتباع الشهوات وقصروا لهم على طلب الجاه والمال والحظوظ العاجلة . . . وهذا كله لأن نظر عقلهم مقصور على صور الأشياء وقوالبها الخيالية ولم يمتد نظرهم إلى أرواحها وحقائقها ولم يدركوا الموازنة بين عالم الشهادة وعالم الملكوت . فلما لم يدركوا ذلك وتناقضت عندهم ظواهر الأسئلة ضلوا وأضلوا فلا هم أدركوا شيئا من عالم الأرواح بالذوق ادراك الخواص ، ولا هم آمنوا بالغيب ايمان العوام فأهلكتهم كياستهم ، والجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء وكياسة ناقصة ، ولسنا نستبعد ذلك فلقد تعثرنا في أذيال هذه الضلالات مدة لشؤم أقران السوء وصحبتهم حتى أبعدنا اللّه عن هفواتها ووقانا من ورطاتها ، فله الحمد والمنة والفضل على ما أرشد وهدى وأنعم وأسدى وعصم من ورطات الردى فليس ذلك مما يمكن أن ينال بالجهد والمنى » . « 1 » إن هذين الطريقين المتاحين أمام البشر للخلاص يؤدي كل منهما إلى نمط من الخلاص مغاير للآخر وان اتفقا في « الاسم » . كلاهما يؤدي إلى « الجنة » ، لكن للجنة بوصفها لفظا لغويا ظاهرا وباطنا ، الظاهر هو الدلالة العرفية اللغوية المألوفة ، وهي الدلالة المجازية من منظور الغزالي ، وهي الجنة التي وصفت في القرآن بصفات مادية بكل ما فيها من لذات مادية . والمعنى الملكوتي الباطن - المعنى الحقيقي - هو « المعرفة » . يقول الغزالي في معرض حديثه عن سورة « الفاتحة » ودلالتها على ثمانية أنماط من علوم القرآن .
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 36 - 37 .