خاصة إذا كان مجال الآيات هو « الثواب والعقاب » وهو القسم الخامس حسب تصنيفه لعلوم القرآن « 1 » . والحقيقة أن موقف الغزالي من « التأويل » يتسم بكثير من التناقض الذي يمكن أن نعزوه إلى محاولة جمعه بين النهج « الأشعري » وهو نهج كلامي تلفيقي وبين النهج « الصوفي » وهو نهج حدسي ذوقي يعطي فعالية خاصة للذات العارفة في علاقتها بالنص ، فعالية يتحول فيها النص إلى جزء من « حالة » الذات قادر على التعبير عن « أحوالها » و « مقاماتها » المختلفة في معراجها الصوفي .
7 - العامة والخاصة ( الظاهر والباطن )
وقد كان من المستحيل على الغزالي أن يجمع بين هذين النسقين الفكريين إلا من خلال ثنائية الخاصة والعامة حيث يكون في العقائد الأشعرية غنية للعوام تكفي لتحقيق خلاصهم الأخروي ، بينما يستطيع الخاصة تجاوز هذا الأفق - أفق السلامة من العذاب والرضا بالنعيم المادي - إلى آفاق الفوز بالنعيم الحقيقي ، نعيم المعرفة والفناء في المطلق .
الصبي إذا وقع نشوه ( نشوؤه ) على هذه العقيدة ( يقصد عقيدة الأشاعرة ) ان اشتغل بكسب الدنيا لم ينفتح له غيرها ولكنه يسلم في الآخرة باعتقاد أهل الحق إذ لم يكلّف الشرع أجلاف العرب أكثر من التصديق الجازم بظاهر هذه العقائد . فأما البحث والتفتيش وتكلف نظم الأدلة فلم يكلفوه أصلا . وان أراد أن يكون من سالكي طريق الآخرة وساعده التوفيق حتى اشتغل بالعمل ولازم التقوى ونهى النفس عن الهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت له أبواب من الهداية تكشف عن حقائق هذه العقيدة بنور الهي يقذف في قلبه بسبب المجاهدة تحقيقا لوعده عز وجل إذ قال :
« الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ »
وهو الجوهر النفيس الذي هو غاية ايمان الصديقين والمقربين ، واليه الإشارة بالسر الذي وقر في صدر أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه حيث فضل به على الخلق . وانكشاف ذلك السر بل تلك الأسرار له درجات بحسب درجات المجاهدة ودرجات الباطن في النظافة والطهارة عما سوى اللّه تعالى وفي الاستضاءة بنور اليقين وذلك كتفاوت الخلق في أسرار الطب والفقه وسائر العلوم ، إذا يختلف ذلك باختلاف الاجتهاد واختلاف الفطرة في الذكاء والفطنة . وكما لا تنحصر تلك الدرجات فكذلك هذه « 2 » .
وإذا كان هذان الطريقان هما طريقا الخلاص الوحيدان في نظر الغزالي فمن الطبيعي أن يكون نصيب كل الفرق من معتزلة وشيعة وخوارج ، بالإضافة إلى الفلاسفة ، هو الهلاك
هامش
( 1 ) انظر احياء علوم الدين : الجزء الأول : ص 31 - 39 .
( 2 ) احياء علوم الدين : الجزء الأول ، ص 94 - وانظر أيضا : ص 99 .