لعالم الخلق هذا بأنه عالم من الصور والخيالات والأمثال تكمن حقيقته ومعناه في عالم الغيب والملكوت ، أمكن لنا أن نقول إن ما نعتبره نحن علماء الظاهر مجازا يكون حقيقة في نظر الغزالي ، وما هو مجاز عنده يكون حقيقة عندنا ، وإذا كانت ألفاظ الياقوت والدر والترياق والعود والعنبر في نظرنا ذات دلالة حقيقية من حيث اشارتها إلى مسمياتها المعروفة ، فإنها في الدلالة على هذه المسميات ذاتها تكون في نظر الغزالي ذات دلالة مجازية ، والعكس صحيح .
ومثل هذا القلب الدلالي - كما سبقت الإشارة - لا يتعارض مع عمليات التحويل والقلب المستمرة التي يقوم بها الغزالي في تصوراته كلها للوجود والحقيقة والنص والدلالة .
وغني عن الإشارة أن الغزالي يتعامل مع اللغة هنا بوصفها رموزا لا بوصفها نظاما رمزيا ، أي بوصفها مجموعة من الألفاظ ذات بعدين أحدهما حقيقي هو المعنى الروحي الملكوتي والآخر قشرة خارجية أو رمز وهو الدلالة اللغوية المألوفة . في مثل هذا التصور ليس المهم هو طبيعة النص ، فأي نص يمكن أن يكون قابلا للتأويل الرمزي وفي المقابل يمكن استخدام الألفاظ لا للإشارة إلى مدلولها اللغوي المعروف ، بل للإشارة إلى معناها الملكوتي مباشرة . وهذا ما يفعله الغزالي حين يقسم آيات القرآن إلى جواهر ودرر وزمرد إلخ . ان الغزالي هنا لا يصك لغته الخاصة التي تحتاج إلى الشرح والتوضيح وعمل ما يشبه المعجم الخاص لها - كما هو واضح في كتابه - بل الأحرى القول إنه يحاول أن يحاكي لغة القرآن من حيث تصوره لطبيعتها الرمزية . لذلك يقرن الغزالي بين شرحه للمفردات التي يستخدمها في التعبير عن أقسام القرآن وبين طريقة التعبير في القرآن .
لعلك تقول قد ظهر لي أن هذه الرموز صحيحة صادقة فهل فيها فائدة أخرى تعرف سواها ؟ فاعلم أن الفائدة كلها وراءها فان هذه أنموذج لتعرف بها تعريف المعاني الروحية الملكوتية بالألفاظ المألوفة الرمسية ليفتح لك باب الكشف في معاني القرآن والغوص في بحارها « 1 » .
وإذا كانت علاقة الألفاظ بمدلولاتها اللغوية المعروفة هي العلاقة المجازية بينما علاقتها بمدلولاتها الملكوتية الروحانية هي العلاقة الحقيقية ( لنقل العرفية ) كان من الطبيعي أن يتسع مفهوم « التأويل » عند الغزالي ليشمل كل النصوص . وقد سبق لنا الإشارة إلى تصوره لطبيعة الأحلام والرؤى على أساس أنها تعبيرات مثالية منتزعة من عالم الملكوت - من اللوح المحفوظ - ولكنها تحتاج للتعبير ، أي للعبور من الأمثلة والصور إلى المعاني والأرواح . ولكن الغزالي كثيرا ما يتمسك بالفهم الحرفي لكثير من آيات القرآن انطلاقا من عقيدة الأشاعرة
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 36 .