تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
وتدفع ضررها . هل هي أولى بأن تسمى الترياق الأكبر أم لا ؟ « 1 » وإذا انتقلنا إلى مجال علم الفقه وجدنا أن الغزالي يماثل بينه وبين « المسك الأذفر » . ونلاحظ هنا أن الغزالي لم ينظر إلى مهمة العلم ووظيفته بقدر ما نظر إلى ما يكسبه لصاحبه من سمعة ومكانة ، فالمسك الأذفر : عبارة في عالم الشهادة عن شيء يستصحبه الانسان فتثور منه رائحة طيبة تشهره وتظهره حتى لو أراد خفاءه لم يختف لكن يستطير وينتشر ، فانظر ان كان في المقتنيات العلمية ما ينشر منه الاسم الطيب في العالم ويشتهر صاحبه به اشتهارا ولو أراد الاختفاء وايثار الخمول ، بل تشهره وتظهره فاسم المسك الأذفر عليه أحق وأصدق أم لا ؟ وأنت تعلم أن علم الفقه ومعرفة أحكام الشريعة يطيّب الاسم وينشر الذكر ويعظم الجاه . وما ينال القلب من روح طيب الاسم وانتشار الجاه أعظم كثيرا مما ينال المشام من روح طيب رائحة من المسك « 2 » . وقصص الأمم البائدة وأحوال الجاحدين والناكبين عن الطريق المستقيم يمكن مماثلتها بالعود ، من حيث إنها في ذاتها لا ينتفع بها ، لكن ينتفع بما فيها من تنبيه واعتبار ، وكذلك العود هو في ذاته لا نفع فيه : ولكن إذا ألقي على النار حتى احترق في نفسه تصاعد منه دخان منتشر فينتهي إلى المشام فيعظم نفعه وجدواه ، ويطيب مورده وملقاه فإن كان في المنافقين وأعداء اللّه أظلال كالخشب المسندة لا منفعة لها ولكن إذا نزل بها عقاب اللّه ونكاله من صاعقة وخسف وزلزلة حتى يحترق ويتصاعد منه دخان فينتهي إلى مشام القلوب فيعظم نفعه في الحق على طالب الفردوس الأعلى وجوار الحق سبحانه وتعالى والصرف عن الضلالة والغفلة واتباع الهوى فاسم العود به أحق وأصدق أم لا ؟ فاكتف من شرح هذه الرموز بهذا القدر واستنبط الباقي من نفسك وحل الرمز فيه ان أطقت وكنت من أهله :
فقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي « 3 »
في هذه المقارنات والمماثلات يصر الغزالي على أن آيات القرآن أحق بهذه الأسماء من مسمياتها الفعلية في عالم الخلق . والمعيار الذي يستند اليه في ذلك أن الروح والمعنى الحقيقي لهذه الألفاظ ينطبق على آيات القرآن وعلى العلوم المستفادة منها . فإذا أضفنا إلى ذلك تصوره
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 34 . ( 2 ) جواهر القرآن : ص 35 . ( 3 ) جواهر القرآن : ص 35 - 36 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 280 | نصر حامد أبو زيد