فنحن اذن إزاء عبارات مختلفة ترتد من حيث دلالتها ومعناها إلى أصول واحدة . وإذا كان عالم « المعنى » ينتمي إلى عالم الغيب والملكوت في حين تنتمي العبارات إلى عالم الملك والشهادة ، يكون المعنى هو الأساس ، وتكون المعاني المدلول عليها في عالم الغيب والملكوت هي الأحق بأن تطلق عليها العبارات الدالة على مثيلتها في عالم الملك والشهادة . وهذا معنى قول الغزالي « ان هذا الاسم لهذا المعنى أحق وعليه أصدق فاسم « الكبريت الأحمر » أحق بأن يطلق على معرفة اللّه من مثيله في عالم الكيمياء ، فالأجدر بالاعتبار قلب القلوب وتحويلها لا قلب الأعيان الفانية الزائلة » .
من الطبيعي بعد ذلك كله أن يكون تصنيف الغزالي لعلوم القرآن باستخدام ثنائية القشر واللب أو الصدف والجواهر تصنيفا حقيقيا حرفيا من منظوره على الأقل ، وأن يكون استخدام صور الكبريت الأحمر واليواقيت والدرر والزبرجد والعنبر والعود والترياق والمسك استخداما غير مجازي أو كنائي ، فهذه الصور - أو بالأحرى المعاني - تشير إلى حقائق القرآن إشارة مباشرة ، في حين أن اشارتها إلى مضمونها الدنيوي المادي هي الإشارة التصويرية غير المباشرة ، هي الإشارة المجازية أو الكنائية .
وإذا كان « الكبريت الأحمر » - كما سبقت الإشارة - هو معرفة اللّه ويتفرع عنه « الياقوت الأحمر » إشارة إلى علم الذات و « الياقوت الاكهب » إشارة إلى علم الصفات ، و « الياقوت الأصفر » إشارة إلى علم الأفعال ، فان القسم الثاني من علوم القرآن وهو « تعريف طريق السلوك إلى اللّه تعالى » يشار اليه باسم « الدر الأزهر » ، ويشار إلى القسم الثالث الخاص بتعريف الحال باسم « الزمرد الأخضر » . وإذا كانت هذه العلوم الثلاثة هي علوم السوابق والأصول المهمة فمن الطبيعي أن يكون الكبريت الأحمر والياقوت والدر والزبرجد في أعماق أمواج بحر القرآن دون السواحل أو الجزر .
ويمضي الغزالي في الكشف عن أسرار لغته فيكشف عن معنى « الترياق الأكبر » وهو الرمز الذي أشار به إلى علم الكلام ، وهو القسم الخامس من أقسام القرآن . وقد سبقت لنا الإشارة إلى أن الغزالي قد حصر مهمة هذا العلم ، وبالتالي مهمة الآيات التي تومئ اليه ، في حماية العقائد من هجوم الكفار والمبتدعة . لذلك كان استخدام « الترياق الأكبر » شديد الدلالة على مهمة هذا العلم من منظور الغزالي :
فهو عند الخلق عبارة عما يشفى به من السموم المهلكة الواقعة في المعدة مع أن الهلاك الحاصل بها ليس إلا هلاكا في حق الدنيا الفانية . فانظر ان كان سموم البدع والأهواء والضلالات الواقعة في القلب مهلكة هلاكا يحول بين الانسان وبين عالم القدس ومعدن الروح والراحة حيلولة دائمة أبدية سرمدية وكانت المحاجة البرهانية تشفي من تلك السموم
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 279
مساهمون: نصر حامد أبو زيد
ص٢٧٩