تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
بلاغي بل هي طرح لمفهوم متكامل ومن الضروري أن نتوقف عند دلالة جزئيات هذه الصورة كما يشرحها الغزالي نفسه : إن الكبريت الأحمر عند الخلق في عالم الشهادة عبارة عن الكيمياء التي يتوصل بها إلى قلب الأعيان من الصفات الخسيسة إلى الصفات النفيسة حتى ينقلب به الحجر ياقوتا والنحاس ذهبا إبريزا ليتوصل به إلى اللذات في الدنيا مكدرة منغصة في الحال ، منصرمة على قرب الاستقبال . أفترى أن ما يقلب جواهر القلب من رذالة البهيمة وضلالة الجهل إلى صفاء الملائكة وروحانيتها ليترقى من أسفل سافلين إلى أعلى عليين وينال به القرب من رب العالمين والنظر إلى وجهه الكريم أبدا دائما سرمدا هل هو أولى باسم الكبريت الأحمر أم لا ، فلهذا سميناه الكبريت الأحمر ، فتأمل وراجع نفسك وانصف لتعلم أن هذا الاسم بهذا المعنى أحق وعليه أصدق ثم أنفس النفائس التي تستفاد من الكيمياء اليواقيت وأعلاها الياقوت الأحمر فلذلك سميناه معرفة الذات « 1 » . إن العلاقة بين الرمز والمرموز اليه هي علاقة « القلب والتحويل » ، ذلك أن معرفة اللّه ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله تحوّل الانسان من حالة إلى حالة ، من حالة الجهل والضلال إلى حالة العلم والهداية فتنقله من عداد البهائم إلى مستوى الملائكة تماما كما يقلب الكبريت الأحمر المعادن الخسيسة ويحولها إلى معادن نفيسة . وإذا كان الكبريت الأحمر يحول الأشياء في عالم الغيب والملكوت فإن التحويل الذي تحدثه معرفة اللّه يتم على مستوى عالم الغيب والملكوت أي على المستوى الروحاني ، فليس ثم تغير أو تحول أو انقلاب يحدث في شكل الانسان وخلقته ، وانما التحول يحدث في القلب . وإذا كان القلب هو عالم الروح والملكوت في البدن الانساني الذي ينتمي إلى عالم الملك والشهادة فان هذا التحول الملكوتي الروحاني هو الجدير باسم التحول حقا ، ويكون العلم باللّه ( ذاتا وصفات وأفعالا ) هو الجدير باسم « الكبريت الأحمر » على الحقيقة . ولما كان « الياقوت الأحمر » هو أنفس النفائس ، صار دلالة على علم الذات الإلهية . ثم يليه معرفة الصفات وهو الياقوت الاكهب ، ويليه معرفة الأفعال وهو الياقوت الأصفر « 2 » . إن علاقة « القلب والتحويل » هذه بين الرمز والمرموز اليه ليست علاقة وضعية اعتباطية ، بل هي علاقة ذاتية نابعة من اكتشاف المعنى والدلالة المشتركة بين الرمز والمرموز اليه . ان معنى « الكبريت الأحمر » القلب والتحويل ، ومعنى المعرفة هو القلب والتحويل أيضا ،
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 34 . ( 2 ) جواهر القرآن : ص 10 .