في الحياة الأخرى . إن حركة الدلالة المعكوسة هذه يمكن أن تتضح بمناقشة الصور اللغوية التي يستخدمها الغزالي في حديثه عن علوم القرآن .
6 - التأويل ( من المجاز إلى الحقيقة )
إن القرآن بحر ، ساحله علوم القشر والصدف وأعماقه الطبقة العليا من علوم اللب ، وليس على الساحل من البحر إلا بعض الأصداف الخالية والرمال ، في حين أن البحر مليء بالجواهر واللئالئ والدرر ، وكلما غاص الانسان في أمواج هذا البحر كلما استخرج من جواهره ودرره . وعلى قدر التعمق في البحر على قدر ما يستخرج الانسان . وليس القارئ المستغرق في قراءته والمهتم بطرائق الأداء وعلوم القشر والصدف إلا طوافا بهذا الساحل دون أن يعثر على شيء . وغاية الغزالي تنبيه هذا القارئ من رقدته ، أو تنبيهه عليها :
فاني أنبهك على رقدتك ، أيها المسترسل في تلاوتك ، المتخذ دراسة القرآن عملا ، المتلقف من معانيه ظواهر وجملا إلى كم تطوف على ساحل البحر مغمضا عينيك عن غرائبها أو ما كان لك أن تركب متن لجتها لتبصر عجائبها ، وتسافر إلى جزائرها لاجتناء أطايبها ، وتغوص في عمقها فتستغني بنيل جواهرها ، أو ما تعيّر نفسك في الحرمان عن دررها وجواهرها بادمان النظر إلى سواحلها وظواهرها ، أو ما بلغك أن القرآن هو البحر المحيط ومنه يتشعب علم الأولين والآخرين كما يتشعب عن سواحل البحر المحيط أنهارها وجداولها أو ما تغبط أقواما خاضوا في غمرة أمواجها فظفروا بالكبريت الأحمر ، وغاصوا في أعماقها فاستخرجوا الياقوت الأحمر والدر الأزهر والزبرجد الأخضر ، وساحوا في سواحلها فالتقطوا العنبر الأشهب ، والعود الرطب الأخضر ، وتعلقوا إلى جزائرها واستدرّوا من حيواناتها الترياق الأكبر ، والمسك الأذفر « 1 » .
في هذا النص نجدنا إزاء صورة مركبة لكنها دالة على مفهوم الغزالي للقرآن ولعلومه ، فالقرآن هو البحر المحيط الذي تكمن في أعماقه الجواهر والدرر ومن ثم لا يعثر عليها إلا الغواصون وهم السالكون . وثم جزائر في هذا البحر مليئة بالأطايب ومن حيواناتها يمكن استخراج الترياق والمسك . وعلى السواحل من هذا البحر المحيط يمكن التقاط العنبر والعود .
ومن هذا البحر تتفرع العلوم كالأنهار والجداول . وليست هذه الصورة المركبة مجرد تعبير
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 8 - 9 .