تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
يؤكدان أن حقيقة الرمي كانت باللّه وحقيقة التعذيب كانت باللّه ، فها هنا - فيما يرى الغزالي - صورة وحقيقة ، فالرامي في الآية الأولى في الحقيقة هو اللّه ، وان كان الرمي ظاهريا فعل محمد ، والمعذب في الحقيقة في الآية الثانية هو اللّه وان كان القتال ظاهرا بيد المسلمين . وهذه المفارقة بين الظاهر والباطن - على مستوى ظواهر النصوص - لا يدركها إلا الصوفي المتحقق : ويدرك الفرق بين حقائق المعاني وظاهر التفسير بمثال وهو أن اللّه عز وجل قال وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى فظاهر تفسيره واضح وحقيقة معناه غامض ، فإنه اثبات الرمي ونفي له وهما متضادان في الظاهر ما لم يفهم أنه رمى من وجه ولم يرم من وجه . ومن الوجه الذي لم يرم رماه اللّه عز وجل وكذلك قال تعالى قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم فإذا كانوا هم المقاتلين كيف يكون اللّه سبحانه هو المعذب وان كان اللّه تعالى هو المعذب بتحريك أيديهم فما معنى أمرهم بالقتال فحقيقة هذا يستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات لا يغني عنه ظاهر التفسير ، وهو أن يعلم وجه ارتباط الأفعال بالقدرة الحادثة ويفهم وجه ارتباط القدرة بقدرة اللّه عز وجل حتى ينكشف بعد ايضاح أمور كثيرة غامضة صدق قوله عز وجل :
« وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
ولعل العمر لو أنفق في استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمقدماته ولواحقه لانقضى العمر قبل استيفاء جميع لواحقه « 1 » . هكذا يتحول النص إلى « سر » مقفل يحتاج إلى جهد خارق لكي تنفتح مغالقه ويكشف عن كنوزه وأسراره . وهكذا يكون هذا « السر » بمثابة شفرة خاصة لا يطمح الانسان العادي - المقصود بالوحي وبالشريعة - إلى الاقتراب من حدوده إلا بشق الأنفس . ومن أجل تأكيد الطبيعة « السرية » للنص يستخدم الغزالي صورا لغوية منتزعة من مجال طبيعي كالبحر والسواحل والشواطئ والجزر والأمواج واليواقيت والعود والترياق . وهذا الاستخدام يكشف لنا عن طبيعة فهم الغزالي للعلاقة بين الظاهر والباطن على مستوى اللغة عموما لا على مستوى النص القرآني فحسب ، وهي العلاقة التي قلنا من قبل ان الانتقال فيها يجب أن يكون من المجاز إلى الحقيقة ، ما دامت الحقيقة هي الروح الباطنة التي ستكون صورة ظاهرة
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : الجزء الأول ص 294 . من الواضح أن هذه التفرقة بين ظاهر التفسير وحقائق المعاني قد أدت مع استيفاء ابن عربي لها إلى نقل الآيات من مجرد أن تكون شواهد في قضية « الكسب » الأشعرية إلى أن تكون دلالة نصية على « وحدة الوجود » وذلك من خلال التفرقة بين « الصورة » و « الحقيقة » الباطنة فيها . وبذور وحدة الوجود موجودة كما أسلفنا عند الغزالي ، انظر : احياء علوم الدين ، الجزء الأول ، ص 284 - 334 .