تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
فاعبر أنت أيضا من البيت الذي هو بناء الخلق إلى القلب الذي هو بيت من بناء اللّه تعالى ، ومن الكلب الذي ذم لصفته لا لصورته وهو ما فيه من سبعية ونجاسة إلى الروح الكلبية وهي السبعية . واعلم أن القلب المشحون بالغضب والشّره إلى الدنيا والتّكلّب عليها والحرص على التمزيق لأعراض الناس كلب في المعنى وقلب في الصورة ، فنور البصيرة يلاحظ المعاني لا الصور . والصور في هذا العالم غالبة على المعاني والمعاني باطنة فيها . وفي الآخرة تتبع الصور المعاني وتغلب المعاني ، فلذلك يحشر كل شخص على صورته المعنوية فيحشر الممزّق لأعراض الناس كلبا ضاريا والشّره إلى أموالهم ذئبا عاديا والمتكبر عليهم في صورة نمر وطالب الرئاسة في صورة أسد « 1 » . وإذا كانت العلاقة بين المعنى والصورة علاقة تبادلية بحيث يكون الظهور للصورة في هذه الحياة الدنيا بينما يكون الظهور للمعنى في الحياة الأخرى ، فمن الطبيعي أن يكون جهد المؤوّل جهدا خارقا لكي ينفذ من القشر إلى اللب ومن الرمز إلى الرموز اليه . انه يقوم برحلة لا تقل في صعوبتها عن معراج الصوفي في سعيه لمعانقة الحقيقة ، غير أن الصوفي يعانقها على المستوى المعرفي بينما يسعى إليها المؤوّل من خلال « النص » . وإذا كان هذا العالم مجرد خيال والحقيقة تكمن هناك فان الوصول إلى الحقيقة عبر النص أو عبر « المعراج » المعرفي هو وصول إلى الدلالة الحقيقية للوجود أو للنص . وإذا كان المعنى الباطن الروحي هو الدلالة الحقيقية ، فلا شك أن الصورة المادية الظاهرة هي الدلالة المجازية التي تومئ إلى الحقيقة من طرف خفي . ان العالم الحقيقي هو الذي يخوض بحار النص ويتجاوز سواحله إلى أعماق موجه لكي يظفر بالمعنى الجوهري الحقيقي المستكن في القشر والصدف والمحار . ان نصوصا قرآنية يمكن أن تساعد الغزالي - كما ساعدت ابن عربي من بعده - على طرح اشكالية النص من خلال ثنائية الصورة والمعنى . إن قوله تعالى :
( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى )
وكذلك قوله :
( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ )
يساعدان الغزالي على تأكيد المفارقة بين الصورة والمعنى على مستوى الدلالة في النص . ذلك أن الآيتين - من منظور التأويل الصوفي - تؤكدان أن ثمة صورة مرئية هي الرمي من محمد والقتال بأيدي المسلمين ، ولكنهما من جانب آخر
هامش
- كتاب للعامة ، لذلك يحذر الغزالي دائما فيه من انكار المعنى الظاهر . وسنناقش هذا التعارض في فكر الغزالي بعد ذلك . ( 1 ) احياء علوم الدين الجزء الأول : ص 49 . وانظر أيضا : ص 216 حيث « صورة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقربا لاذعا ، وصفة الرياء تنقلب في القبر أفعى من الأفاعي » .