تصير أهلا لمشاهدة صريح الحق كفاحا ( عيانا ) وقبل ذلك لا تحتمل الحقائق إلا مصبوبة في قالب الأمثال الخيالية ، ثم لجمود نظرك على الحس تظن أنه لا معنى له إلا المتخيّل وتغفل عن الروح كما تغفل عن روح نفسك ولا تدرك إلا قالبك « 1 » .
إن ثنائية الدنيا والآخرة تستوعب - كما سبقت الإشارة - كل ثنائيات النسق الفكري للغزالي ، ومن الطبيعي في مجال النصوص أن يكون انتماء الصورة والمثال إلى الدنيا ، في حين يكون انتماء المعنى والروح إلى الآخرة . وإذا كانت ثنائية عالم الحس والشهادة وعالم الغيب والملكوت في هذه الحياة الدنيا تجعل الظهور للأول والغياب للثاني ، فان هذا الوضع ينعكس في الحياة الأخرى حيث يكون الظهور للعالم الثاني والبطون من نصيب العالم الأول . وهذا الانقلاب من الطبيعي أن يحدث على كل مستويات العلاقات الثنائية المتضمنة في اهاب هاتين الثنائيتين ، بمعنى أن الظهور يكون للأرواح والمعاني وتكون البطون للأمثلة والصور .
وهذا الانقلاب على مستوى النص يبرز الحقائق التي كانت مختفية خلف قشر الألفاظ ، وتبرز الرموزات من داخل الرموز ، وبعبارة أخرى يصبح الباطن ظاهرا والمعنى ينكشف وتختفي الصورة . في الآخرة يتحقق « التأويل » أو يأتي « تأويله » ، بمعنى أنه ينكشف ويتحقق بانمحاء القشور وزوال الرموز واختفاء الصور .
يكشف لنا الغزالي عن هذا « الانقلاب » على جميع المستويات في تأويله لأحد الأحاديث النبوية وهو بصدد الحديث عن الطهارة ، وذلك حيث يقول :
وخبائث صفات الباطن أهمّ بالاجتناب ، فإنها مع خبثها في الحال مهلكات في المآل ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب » والقلب بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم ومحل استقرارهم . والصفات الرديئة مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة فأنّى تدخله الملائكة ، وهو مشحون بالكلاب . . .
ولست أقوال المراد بلفظ البيت هو القلب وبالكلب هو الغضب والصفات المذمومة ولكني أقول هو تنبيه عليه وفرق بين تعبير الظواهر إلى البواطن وبين التنبيه للبواطن من ذكر الظواهر مع تقرير الظواهر ففارق الباطنية بهذه الرقيقة فان هذه طريق الاعتبار وهو مسلك العلماء الأبرار ، إذ معنى الاعتبار أن يعبر ما ذكر إلى غيره فلا يقتصر عليه كما يرى العاقل مصيبة لغيره فيكون فيها له عبرة بأن يعبر منها إلى التنبيه لكونه أيضا عرضة للمصائب ، وكون الدنيا بصدد الانقلاب ، معبورة من غيره إلى نفسه ومن نفسه إلى أصل الدنيا عبرة محمودة « 2 »
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 31 - 32 .
( 2 ) لاحظ تردد الغزالي هنا إذا قيس بجرأته فيما سبق من نصوص . وتفسير ذلك أن كتاب احياء علوم الدين -