وأدركت ما لم ندركه نحن ؟ وإذا كان لكل سالك طريق على ما تزعمون ، وإذا كان اللّه يتجلى لكل قلب على قدر هذا القلب وعلى درجة صفائه فما بالك تزعم أن ما أدركته أنت من خلال معراجك هو « الحقيقة » بألف ولام العهد ؟ وإذا كانت هذه « الحقيقة » لا يمكن لسواك التأكد من صدقها فما معيار مصداقيتها ؟ إزاء مثل هذا الاعتراض قد يحيلنا الغزالي إلى تجربة النوم والأحلام فيقول :
ان هذا تعرفه إذا عرفت أن النائم لم ينكشف له الغيب من اللوح المحفوظ إلا بالمثال دون الكشف الصريح كما حكيت لك المثل ، وذلك يعرفه من يعرف العلاقة الخفية التي بين عالم الملك والملكوت « 1 » .
وقد يحيلنا إلى النص ذاته وإلى تفسير الصحابة لبعض الآيات . ولكنه في هذه الإحالة يقوم بعملية « تأويل » أخرى داخل « التأويل » ، فهو يحيلنا إلى آية يضرب القرآن فيها مثلا ، لكنه يحول كلمة « المثل » من مفهومها اللغوي البلاغي ويجذبها إلى مفهومه الثنائي عن المثال والروح والصورة والمعنى .
وإن كنت لا تقوى على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم تسند التفسير إلى الصحابة ، فإن كان التقليد غالبا عليك فانظر إلى تفسير قوله تعالى كما قاله المفسرون :
( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ )
الآية وأنه كيف مثل العلم بالماء والقلوب بالأودية والينابيع والضلال بالزبد ، ثم نبّهك على آخرها فقال :
( كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ )
. « 2 »
وإذا لم نقتنع باحالات الغزالي السابقة كلها ، لأن الإحالة الأولى تدخل في مجال القضايا الخلافية ، أما الإحالة الثانية فتدخلنا معه في خلاف حول فهمه لمفهوم « المثل » فلا يبقى أمام الغزالي إلا أن يطلب من المعترض عليه أن ينتظر معاينة الحقائق بالموت حيث تنكشف له الحقائق وحيث يعلم الناس جميعا حقائق الأشياء .
فينكشف لهم عند الانتباه بالموت حقائق ما سمعوه بالمثال وأرواحها ، ويعلمون أن تلك الأمثلة كانت قشورا وأصدافا لتلك الأرواح ويتيقنون صدق آيات القرآن وقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كما تيقن ذلك المؤذن صدق قول ابن سيرين وصحة تعبيره للرؤيا . وكل ذلك ينكشف عند اتصال الموت وربما ينكشف بعضه في سكرات الموت . . . وعند ذلك
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 31 .
( 2 ) جواهر القرآن : ص 30 . وانظر أيضا احياء علوم الدين : الجزء الأول ، ص 102 .