بواسطته نقش العلوم في ألواح القلب فأخلق به أن يكون هو القلم فان اللّه تعالى علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم . وهذا القلم روحاني إذا وجد فيه روح القلم وحقيقته ، ولم يعوزه الّا قالبه وصورته ، وكون القلم من خشب أو قصب ليس من حقيقة القلم ، ولذلك لا يوجد في حده الحقيقي ، ولكل شيء حدّ وحقيقة هي روحه . فإذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب الملكوت وأهّلت لمرافقة الملأ الأعلى « 1 » .
إن ثنائية الصورة والمعنى يمكن التعبير عنها من خلال ثنائيات عديدة أخرى مثل المثال والروح ، الحسي والمعنوي ، والرمز والمرموز اليه والشاهد والغائب . . . الخ . لكن الثنائية الأساسية التي على أساسها يمكن تقبل هذا النسق الفكري كله هي ثنائية الدنيا والآخرة ، فالدنيا هي عالم الصور والمثل والحس والرموز والشاهد ، والآخرة هي عالم المعاني والأرواح والرموزات ، هي عالم الغيب . وإذا كان كل شيء في هذه الحياة الدنيا زائلا وفانيا فمن الطبيعي أن يكون كل ما ينتسب إليها فاقدا للقيمة والأهمية ، فليس المهم هو الصورة بل المعنى ، وليس المثال في ذاته هاما بل روحه ، وليس للرمز قيمة إلا في أنه يومئ إلى الرموز اليه .
وعلينا أن نتقبل ما يمليه علينا الغزالي من أن روح الاصبعية هي التقليب ، وروح القلم هي الكتابة وذلك على أساس أن « التقليب » ليس مجرد وظيفة من وظائف « الإصبع » بل على أساس أنه حقيقته وروحه . وعلينا أن نتقبل روح القلم وحقيقته دون اهتمام بشكله وصورته ومادته . وإذا كان ذوقنا المعاصر يمكن أن يتفق مع التأويل « الاعتزالي » للإصبع على أساس أنها لفظة استخدمت استخدمت استخداما مجازيا يتجاوز الدلالة الحقيقية للفظ ، فان مفهوم الغزالي يكاد يقلب العلاقات الدلالية ، فيكون « التقليب » هو الدلالة الحقيقية الروحية ويكون « الإصبع » صورة يمكن أن نقول إنها مجازية . ولا غرابة في مثل هذا « القلب » للعلاقات الدلالية ما دامت تصورات الغزالي كلها للوجود وللنص تقوم على هذا النمط من « التحويل » الذي يشبه القلب .
وإذا اعترض معترض على الغزالي قائلا ان مقاصد الوحي لا بد أن تكون واضحة بالدلالة اللغوية ، لأن الدلالة اللغوية دلالة عامة مشتركة يفهمها الناس ، والوحي استهدف هداية البشر جميعا ، فما بالك تحوّل النص إلى رموز لا يدرك مغزاها ودلالتها إلا أقل القليل ؟
ثم كيف لنا أن نشاركك « تأويلك » لرموز الوحي زاعما أنك اتصلت بعالم المثل الروحية
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 29 - 30 .