تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
إن اللغة في مثل هذا التصور تمثل وسيطا يقوم بتجسيد المعنوي وتصويره . وإذا كان لا بدّ من تجاوز صور العالم إلى روحه وحقائقه بالانتقال - عبر عملية العروج الخيالي الصوفي - من عالم الحس والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت ، فلا بد كذلك من الانتقال على مستوى النص من القشر الخارجي الذي هو بمثابة الصورة إلى اللب الذي هو بمثابة المعنى . وهنا يتوازى القرآن - بوصفة نصا لغويا - مع العالم المادي مع عالم الخيال وتصبح عبارات القرآن بمثابة الأمثلة والصور التي يراها النائم في حلمه ، ومن ثم تحتاج إلى « التعبير » . إن « تأويل » النص وصولا إلى معناه « الباطن » الذي هو اللب مماثل لعملية « التعبير » في الأحلام . انهما مصطلحان يشيران إلى مفهوم واحد في حقيقة الأمر : إن كل ما يحتمله فهمك فان القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعا بروحك اللوح المحفوظ لتمثل ذلك لك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير . واعلم أن التأويل يجري مجرى التعبير فلذلك قلنا يدور المفسر على القسر إذ ليس من يترجم معنى الخاتم والفروج والأفواه كمن يدرك أنه أذان قبل الصبح . « 1 » إن كل ألفاظ القرآن تصبح مثل الصور التي يراها النائم في نومه ، تصبح صورا مادية في حاجة إلى اكتشاف المعنى المستكن داخلها . هكذا تتحول اللغة من مجال « الدلالة » إلى أن تكون رموزا لحقائق متوارية مستكنة في عالم المثل ، عالم المعاني والأرواح ويستطيع الغزالي أن يعطينا أمثلة على هذا التصور : فانظروا إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : ( قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ) ، فان روح الإصبع القدرة على سرعة التقليب وانما قلب المؤمن بين لمة الملك وبين لمة الشيطان هذا يغويه وهذا يهديه . واللّه تعالى بهما يقلب قلوب العباد كما تقلب الأشياء أنت باصبعيك ، فانظر كيف شارك نسبة الملكين المسخرين إلى اللّه تعالى إصبعيك في روح إصبعية وخالفها في الصورة . . . ومتى عرفت معنى الإصبع أمكنك الترقي إلى القلم واليد واليمين والوجه والصورة وأخذت جميعها معنى روحانيا لا جسمانيا فتعلم أن روح القلم وحقيقته التي لا بد من تحقيقها إذا ذكرت حد القلم هو الذي يكتب به ، فإن كان في الوجود شيء يتسطر
هامش
- حدود هذه التهويمات فابن عربي شديد الوضوح في بناء نسقه الفكري . ولا شك أن قراءة ابن عربي مرة ثانية كفيلة بكشف التأثير الكبير للغزالي ، وهو تأثير قلل من الوعي به ذلك التقسيم الوهمي للتصوف إلى تصوف سني وآخر فلسفي . ( 1 ) جواهر القرآن : ص 31 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 271 | نصر حامد أبو زيد