لخيال » ، ولا شك أن الأحلام والرؤى خير مثال يشرح الكيفية التي يلتقي بها العالمان ، بشرح من ثم آليات التأويل والعبور من القشر إلى اللب أو من الصورة إلى المعنى . ان القشر هو الكلمات في مستواها اللغوي واللب هو الدلالة الباطنية العميقة . وكل كلمة في وجود .
تحتها رموز وإشارات إلى معنى خفي يدركها من يدرك الموازنة والمناسبة بين عالم الملك عالم الشهادة وبين عالم الغيب والملكوت إذ ما من شيء في عالم الملك والشهادة إلا وهو مثال لأمر روحاني من عالم الملكوت كأنه هو في روحه ومعناه ، وليس هو هو في صورته وقالبه ، المثال الجسماني من عالم الشهادة مندرج إلى المعنى الروحاني من ذلك العالم . ولذلك كانت لدنيا منزلا من منازل الطريق إلى اللّه ضروريا في حق الانس إذ كما يستحيل الوصول إلى اللب إلا من طريق القشر فيستحيل الترقي إلى عالم الأرواح إلا بمثال عالم الأجسام ، ولا تعرف هذه الموازنة إلا بمثال ، فانظروا إلى ما ينكشف للنائم في نومه من الرؤيا الصحيحة التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، وكيف ينكشف بأمثلة خيالية فمن يعلّم الحكمة غير أهلها يرى في المنام أنه يعلّق الدّر على الخنازير ، ورأى بعضهم أنه كان في يده خاتم يختم به فروج النساء وأفواه الرجال فقال له ابن سيرين أنت رجل تؤذّن في رمضان قبل الصبح فقال نعم . ورأى آخر كأنه يصب الزيت في الزيتون فقال له ان كان تحتك جارية فهي أمّك قد سبيت وبيعت واشتريتها أنت ولا تعرف ، فكان كذلك . فانظر ختم الأفواه والفروج بالختم مشاركا للأذان في روح الخاتم وهو المنع وان كان مخالفا لصورته « 1 » .
إن عالم الخيال - وهو عالم الرؤى والأحلام - عالم وسيط بين عالم الغيب والملكوت وعالم الحس والشهادة . في العالم الأول توجد « المثل » المعنوية الروحية ، ولا يوجد في العالم الثاني إلا صور هذه « المثل » . ولكل صورة في عالم الحس والشهادة « مثالها » الروحي في عالم الغيب والملكوت . وعالم الخيال هو العالم الوسيط الذي تتجسد فيه المثل المعنوية الروحية في أشكال حسية وصور مادية . في مثل هذا التصور الأفلاطوني للعالم يصبح العالم كله أشبه بالحلم أو الرؤيا ، أليس الناس نياما فإذا ماتوا انتبهوا ؟
« ثم إذا عرفت ذلك عرفت أنك في هذا العالم نائم وان كانت مستيقظا . . . وانما يقظتك بعد الموت » « 2 » .
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 28 - 29 .
( 2 ) جواهر القرآن : ص 31 - 32 . كانت كل هذه الأفكار بذورا صالحة أقام عليها ابن عربي تصوراته للوجود واللّه والانسان حيث جعل العالم كله خيالا مثل خيال الستارة . وإذا كان الغزالي قد وقف عند