تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
الشمس على القمر ، وان اقتصروا فدرجتهم نازلة جدا » « 1 » . إن هذا التحديد لمكانة الفقهاء والمتكلمين إذا قورن بمكانة الصوفي السالك يرتد إلى أن علمي الفقه والكلام علوم أدوات أو وسائل ، بينما علم التصوف وهو علم طريق السلوك - وهو العلم الثاني في علوم الطبقة العليا من علوم اللباب والتالي لعلم معرفة اللّه - علم غاية . وهذا العلم فوق علم الفقه والكلام وما قبله لأنه علم طريق السلوك وذلك علم آلة السلوك واصلاح منازله ودفع مفسداته كما يظهر ، والعلم الأعلى الأشرف علم معرفة اللّه تعالى فان سائر العلوم تراد له ومن أجله وهو لا يراد لغيره « 2 » .

5 - التأويل ( من القشر إلى اللب )

وإذا كانت علوم القرآن تنقسم إلى علوم قشر وعلوم لباب فكيف يتجاوز الانسان حدود القشر لكي يصل إلى اللباب ؟ لا شك أن إجابة الغزالي ستكون « بلزوم الطريق المستقيم في السلوك إلى اللّه » ، وهو الطريق الذي حصره في السلوك الصوفي كما رأينا ، طريق الملازمة للذكر والتخلي عن الدنيا وعن شواغلها . وإذا قلنا للغزالي ان معرفة هذا الطريق علم صعب يحتاج لاستخراجه من القرآن إلى السلوك ، أي يحتاج إلى ذاته ، بمعنى أنك لكي تكون صوفيا لا بد أن تعلم السلوك ، ولكي تعلم طريق السلوك لا بد أن تكون صوفيا ، أليس في هذا دخول في الدور المنطقي ! إذا قلنا ذلك فلا شك أن الغزالي يمكن أن يحيلنا إلى شرحه للأحوال والمقامات في موسوعته « الاحياء » حيث يبدأ الطريق من مستوى السلوك العادي متدرجا خطوة خطوة إلى الغاية التي ليس وراءها غاية . وكل مرحلة من مراحل السلوك - المقام - تؤدي إلى « حالة » معرفية يتجاوز بها السالك « حالة » سابقة ، فينتقل من علم إلى علم في حركة صاعدة أيضا حتى يتحقق بمعرفة اللّه تحققا عيانيا كشفيا مباشرا . ولا شك أننا يمكن أن نستنتج من ذلك التدرج السلوكي المعرفي أن تجاوز حدود القشر في النص والولوج إلى عالم اللب لا بد أن يبدأ من أدنى المستويات في حركة صاعدة وصولا إلى القمة . هذا العبور من القشر إلى اللب بالتأويل يوازي عملية العروج الخيالية بالقلب من عالم الحس والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت . وإذا كانت النقلة من عالم الحس إلى عالم الملكوت تتم عبر منطقة « الخيال » فان عملية عبور قشر النص إلى لبه بالتأويل تتم أيضا عبر
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 23 . ( 2 ) جواهر القرآن : ص 24 .