الغاية هو الأرقى والأبعد عنها هو الأدنى . فتكون الطبقة العليا من علوم اللّب هي معرفة اللّه ثم معرفة الصراط المستقيم - وهو طريق الوصول اليه - ثم تعريف الحال عند الوصول ؛ ويكون أرقى علوم اللب علم معرفة اللّه بأقسامه الثلاثة : معرفة الذات ومعرفة الصفات ومعرفة الأفعال . ويلي الطبقة العليا من علوم اللب الطبقة السفلى وهي علم الفقه وعلم الكلام والقصص القرآني . وإذا كانت علوم الطبقة العليا هي « الأصول المهمة » فان علوم الطبقة السفلى هي « الروادف المتمة » . وكما أن علوم الطبقة العليا تتفاوت قيمتها تبعا لمدى قربها من تحقيق غاية الوجود الانساني ، كذلك تتفاوت علوم الطبقة السفلى فيما بينها ، فيكون القصص أدناها « وهذا علم لا تعم اليه الحاجة » . « 1 »
ويسبقه في الأهمية كلّ من علم الفقه وعلم الكلام . وبناء على ترتيب هذه العلوم الثلاثة تتحدد مراتب العلماء المشتغلين بها ومكانتهم في تصنيف الغزالي . إن الفقهاء والمتكلمين أشبه بحراس الطريق من القطاع واللصوص فهم الذين يؤمّنون طريق السالكين إلى اللّه وان كانوا هم أنفسهم غير سالكين . يقوم الفقهاء بدور عمّار الرباطات في طريق مكة ، بينما يقوم المتكلمون بدور قوافل الحراسة . إن المماثلة بين « السلوك الصوفي » في الطريق إلى اللّه وبين السفر إلى الكعبة في الطريق إلى الحج مماثلة بين جانبي الثنائية التي ينطلق منها الغزالي والمتصوفة عامة ، فالسفر إلى الكعبة للحج رحلة حقيقية بالجسد إلى بيت اللّه تحقيقا لاحدى العبادات الشرعية ، لكن السلوك إلى اللّه بسفر القلب تحقيق لغاية الوجود السامية .
من هذه المماثلة تكون مكانة الفقهاء والمتكلمين أدنى من مكانة السالكين إلى اللّه ، فالفقهاء والمتكلمون - رغم أهمية علومهم - ينتمون إلى علماء الدنيا ، في حين يكون السالك الصوفي من علماء الآخرة .
رتبة القصاص والوعاظ دون رتبة الفقهاء والمتكلمين ما داموا يقتصرون على مجرد القصص وما يتقرب منها . ودرجة الفقيه والمتكلم متقاربة لكن الحاجة إلى الفقيه أعم وإلى المتكلم أشد وأشد . ويحتاج إلى كليهما ( كذا ) لمصالح الدنيا . أما الفقيه فلحفظ أحكام الاختصاصات بالمآكل والمناكح ، وأما المتكلم فلدفع ضرر المبتدعة بالمحاجة والمجادلة كيلا يستطير شررهم ولا يعم ضررهم ، أما نسبتهم إلى الطريق والمقصد فنسبة الفقهاء كنسبة عمار الرباطات والمصالح في طريق مكة إلى الحج ، ونسبة المتكلمين كنسبة بدرقة طريق الحج وحارسة إلى الحجاج ، فهؤلاء ان أضافوا إلى صناعتهم سلوك الطريق إلى اللّه تعالى بقطع عقبات النفس والنزوع عن الدنيا والاقبال على اللّه تعالى ففضلهم على غيرهم كفضل
هامش
( 1 ) انظر : جواهر القرآن ، ص 21 .