ب - علم الكلام
يلي علم الفقه في ترتيب العلوم التي يدل عليها القرآن أو يمكن استخراجها من آياته علمان هما : علم الكلام والقصص ، يطلق الغزالي على « علم الكلام » عبارة « محاجة الكفار ومجادلتهم » ، ويقسم هذه المحاجة إلى ثلاثة أقسام تمثل أجزاء علم الكلام الرئيسة وهي الأقسام التي تمثل جوانب الانكار حيث يتعلق الجانب الأول بانكار الألوهية ، ويتعلق الثاني بانكار النبوة ، ويتعلق الثالث بانكار الحياة الأخرى والبعث بعد الموت . وهذا العلم ، أو القسم من أقسام القرآن يمثل « الترياق الأكبر » .
القسم الخامس محاجة الكفار ومجادلتهم وايضاح مخازيهم بالبرهان الواضح وكشف
هامش
- كتب الغزالي - وأهمها من هذا المنظور الرد على الباطنية - فقد كتبت بناء على أوامر سلطانية بالتصدي للرد على الشيعة وتفنيد آرائهم ومعتقداتهم . ومما له دلالة هامة في هذا الصدد الطريقة التي يشير بها الغزالي إلى ذلك بقوله : « فاني لم أزل مدة المقام بمدينة السلام متشوقا إلى أن أخدم المواقف المقدسة النبوية الامامية المستظهرية ضاعف اللّه جلالها ، ومدّ على طبقات الخالق ظلالها ، بتصنيف كتاب في علم الدين أقضي به شكر النعمة ، وأقيم به رسم الخدمة ، وأجتني بما أتعاطاه من الكلفة ثمار القبول والزلفة ، لكن جنحت إلى التواني لتحيّري في تعيين العلم الذي أقصده بالتصنيف وتخصيص الفن الذي يقع موقع الرضا من الرأي النبوي الشريف ، فكانت الحيرة تغيّر وجه المراد ، وتمنع القريحة عن الاذعان والانقياد ، حتى خرجت الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية بالإشارة إلى الخادم في تصنيف كتاب في الرد على الباطنية » ( ص 32 ) ويكفي هنا أن نلاحظ إشارة الغزالي إلى نفسه بصفة « الخادم » ونلاحظ صفات القداسة والنبوة التي يضفيها على الخليفة العباسي .
إن تسخير العلم في خدمة الأهداف السياسية للحاكم أمر تورط فيه الغزالي في هذا الكتاب تورطا لا يستطيع أحد تجاهله . فالغزالي الذي يفنّد الفكر الشيعي استنادا إلى أسس عقلية مكينة يتجاهل هذه الأسس تجاهلا شبه تام في الباب التاسع من الكتاب « في إقامة البرهان الفقهي الشرعي على أن الإمام الحق في عصرنا هذا هو الامام المستظهر باللّه حرس اللّه ظلاله » حيث يكاد يخلع على الخليفة العباسي كل الصفات التي يخلعها الشيعة على « الامام » من حيث العلم والعصمة والاتصال بمشكاة النبوة ، وهي الصفات التي يردّها الغزالي على الشيعة على طول فصول الكتاب . ولا شك أن ادراك الغزالي بعد ذلك لحقيقة الدور الذي قام به من تسخير فكره لأهداف الحكام والسلاطين كان وراء أزمته الروحية التي وصلت إلى حد « حسبة » اللسان عن النطق ، وهي أزمة يصفها على النحو التالي :
فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر ، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة . في هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ، إذ قفل اللّه على لساني حتى اعتقل عن التدريس فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطبيبا لقلوب المختلفة وكان لا ينطق . لساني بكلمة ولا أستطيعها البتة . ثم أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب بطل معه قوة الهضم وقرم الطعام والشراب فكان لا تنساغ لي شربة ولا تنهضم لي لقمة . وتعدى ذلك إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباع « طمعهم في العلاج » ( انظر : المنقذ من الضلال ، ص 64 ) .