الآخرة ، ولذلك يكفي الضروري منه اللازم لتحقيق غاية الوجود الانساني كما فهمها الغزالي . وعلى ذلك يجب أن نفهم لما ذا يواصل الغزالي مهاجمة فقهاء عصره وذلك لأنهم تجاوزوا حدود الضروري من العلم ، ودخلوا في الفروع والتشعيبات طلبا للوجاهة عند الحكام والسلاطين ، فحوّلوا العلم عن غايته وهدفه وطلبوا به الدنيا وزخارفها « 1 » .
ويعبّر الغزالي عن ضيقة لما لقيه هذا العلم من الذيوع والانتشار ، ومن اهتمام العلماء به وتوسعهم في أصوله وفروعه على حين أن القليل من هذا كله كان يكفي لتحقيق الغاية منه ، غاية حفظ النفس والنسل . ولا يكاد الغزالي يستثني نفسه من هذا الهجوم وهو ينعي على فقهاء عصره توسعهم غير الضروري في التصنيف في الفقه :
حتى كثرت فيه التصانيف لا سيما في الخلافيات منه مع أن الخلاف فيه قريب ، والخطأ فيه غير بعيد عن الصواب ، إذ يقرب كل مجتهد من أن يقال له مصيب أو يقال إن له أجرا واحدا أن أخطأ ولصاحبه أجران . ولكن لما عظم فيه الجاه والحشمة توفرت الدواعي على الافراط في تفريعه وتشعيبه ، وقد ضيّعنا شطرا صالحا من العمر في تصنيف الخلاف فيه ، وصرفنا قدرا صالحا منه إلى تصانيف المذهب وترتيبه إلى بسيط ووسيط ووجيز مع ايغال وافراط في التشعيب والتفريع . . . ولقد كان الأولون يفتون في المسائل . . . وكانوا يوفقون للإصابة أو يتوقفون ويقولون لا ندري ، ولا يستغرقون جملة العمر فيه ، بل يشتغلون بالمهمّ ويحيلون ذلك على غيرهم « 2 » .
والحقيقة أن موقف الغزالي من فقهاء عصره ومن علمائه بصفة عامة يرتد إلى تصوره لغاية العلم ومقصده الأسمى وهو مساعدة الانسان على تحقيق خلاصة الفردي . والحقيقة أيضا أن إدانة الغزالي لعلماء عصره لم تكن إلا استمرارا لادانته لنفسه . ولعل هذا الاصرار على إدانة علماء الدنيا - ومنهم الفقهاء - كان من قبيل نفي مرحلة ما قبل الأزمة في حياة الغزالي .
ولم تكن أزمة الغزالي في تصورنا أزمة شخصية ذاتية بقدر ما كانت تعبيرا عن وعي حاد بأزمة الواقع التي أسهم العلماء في تعقيدها لا بتخلّيهم عن دورهم الأساسي في مواجهة الانحراف والخطأ والتصدي له فحسب ، بل بالمساهمة في تبريره ومساندته . « 3 »
هامش
( 1 ) انظر : الجزء الأول من احياء علوم الدين ، ص 22 ، 25 - 26 ، 27 ، 38 ، 39 - 40 ، 42 ، 56 .
( 2 ) جواهر القرآن : ص 22 .
( 3 ) والغزالي في ادانته للفقهاء لتعلقهم بالدنيا واختلاطهم بالحكام والسلاطين يدين عصره كله في الحقيقة .
ومن منطلق الإدانة هذا يمكن لنا أن نفهم بعض جوانب الأزمة الروحية الحادة التي مر بها الغزالي حين أدرك أن نشاطه الفكري كله من تأليف وتدريس لم يكن يراد به وجه اللّه والآخرة بقدر ما كان يراد به الشهرة والصيت في الدنيا وفي أعين الحكام . ( انظر : المنقذ من الضلال : ص 125 ) والحقيقة أن بعض -