تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
هذه الاختصاصات ربع الجنايات . وهذا علم تعمّ اليه الحاجة لتعلقه بصلاح الدنيا أولا ، ثم بصلاح الآخرة « 1 » . يحاول الغزالي أن يضع كل آيات الأحكام والحدود داخل هذا الإطار الذي حدوده من منظوره الصوفي لعمل الفقه وهو الحفاظ على النفس والنسل ، حيث جعل « آيات المبايعات والربويات والمداينات والمواريث ومواجب النفقات وقسم الغنائم والصدقات والمناكحات والعتق والكتابة والاسترقاق والسبي من باب الحفاظ على النفس . ويدخل تحت الحفاظ على النسل « آيات النكاح والطلاق والرجعة والعدة والخلع والصداق والايلاء والظهار واللعان وآيات محرمات النسب والرضاع والمصاهرات » . وتدخل « آيات الحدود والقتال والكفارات والديات والقصاص » اطار دفع المفاسد إذ هي عقوبات زاجرة تمنع ما يهدد النفس أو النسل . ولا يخرج عن هذا الإطار آيات الجهاد وقتال الكفار ، ولا يخرج عنها كذلك قتال المارقين داخل حدود المجتمع الاسلامي . وأما جهاد الكفار وقتالهم فدفعا لما يعرض من الجاحدين للحق من تشويش أسباب المعيشة والديانة اللتين بهما الوصول إلى اللّه تعالى ، وأما قتال أهل البغي فدفعا لما يظهر من الاضطراب بسبب انسلال المارقين عن ضبط السياسات الدينية التي يتولاها حارس السالكين وكافل المحقين نائبا عن رسول رب العالمين ، ولا تخفى عليك الآيات الواردة في هذا الجنس وتحقّق سياسات ومصالح وحكم وفوائد يدركها المتأمل في محاسن الشريعة المبيّنة لحدود الأحكام الدنيوية ويشتمل هذا القسم على ما يسمى الحلال والحرام وحدود اللّه وفيها يوجد المسلك الأذفر « 2 » . هذا الحصر لآيات الأحكام والحدود والمعاملات داخل حدود حفظ النفس والنسل - بوصفهما وسائل لتحقيق غاية أهم هي الوصول إلى اللّه - يحول مقاصد الشريعة تحويلا تاما من إقامة المجتمع إلى الخلاص الفردي . وفي اطار هذا التحويل الكيفي يتحول الجهاد إلى وسيلة لحماية الوجود لا لنشر العدل . وهذا التحويل إلى جانب خطورته في ذاته ينتهي إلى التهوين من شأن « علم الفقه » بوصفه علما من العلوم التوابع التي تساعد على الحفاظ على الحياة الانسانية من أجل تحقيق غاية وجودها وهو الفلاح الأخروي . إن علوم الدنيا ومنها الفقه يتقبلها الغزالي في حدودها الدنيا ، ما دامت الدنيا ذاتها مجرد معبر طارئ للآخرة . في ظل هذا التصور يصبح الفقه علما متوسطا بين علوم الدنيا وعلوم
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 21 - 22 . ( 2 ) جواهر القرآن : ص 17 .