الفقه - وهو علم من علوم الدنيا - وبين « الاحياء » - وهو في علم السلوك إلى اللّه - تشابه في الظاهر دون المضمون والمحتوى « 1 » ولأن علم الفقه علم تمهيدي يعد بمثابة تمهيد لعلم السلوك إلى اللّه فهو يقع في متدرج تصنيف الغزالي في منزلة أدنى .
وعلى ذلك يمكن القول إن الفكر الصوفي قد انتهى إلى ايجاد « قانونين » أحدهما « قانون » العامة ، وهو القانون الذي يصوغه الفقهاء من عرض الوقائع على النص واستخراج الحكم اما مباشرة واما بالقياس والاجتهاد . والقانون الثاني هو « قانون » الخاصة وهو قانون يحدد ضوابط السلوك الداخلي الباطني وهو يستخرج - بالتأويل والعبور - من النص أيضا . أحد القانونين لضبط سلوك أهل الدنيا والظاهر ، والقانون الثاني يقدم للخاصة أهل الباطن معايير للوصول إلى المطلق والفناء فيه . وهكذا نجد أن ثنائية « الدنيا والآخرة » تحدد لعلم الفقه وظيفته في اطار الحياة الدنيا ، بينما يكون طريق الآخرة محكوما بقانون علم المعاد . وهكذا تنحصر مهمة علم الفقه في :
تعريف عمارة منازل الطريق وكيفية التأهب للزاد والاستعداد باعداد السلاح الذي يدفع سراق المنازل وقطاعها ، وبيانه أن الدنيا منزل من منازل السائرين إلى اللّه تعالى والبدن مركب فمن ذهل عن تدبير المنزل والمركب لم يتم سفره ، وما لم ينتظم أمر المعاش في الدنيا لا يتم أمر التبتل والانقطاع إلى اللّه تعالى الذي هو السلوك ، ولا يتم ذلك حتى يبقى بدنه سالما ونسله دائما ، ويتم كلاهما بأسباب الحفظ لوجودهما وأسباب الدفع لمفسداتهما ومهلكاتهما « 2 » .
إن مفهوم غاية الوجود الانساني بوصفه « سفرا » إلى اللّه لا بوصفه « تحقيقا » لإرادته قد أدى إلى اعتبار الدنيا مجرد « منزل » من منازل السفر . وإذا كان المسافر هو « القلب » الذي هو مسكن « الروح » فان البدن مجرد « مركب » وأداة لهذا القلب . وعلى ذلك تنحصر وظائف علم الفقه في حفظ البدن وحفظ أمور المعاش الدنيوية . والذي يقيم « البدن » هو الأكل والشرب ، والذي يحفظ أمور المعاش الدنيوية بقاء النسل . وعلى ذلك تنحصر موضوعات علم الفقه في :
علم الحدود الموضوعة للاختصاص بالأموال والنساء للاستعانة على البقاء في النفس والنسل . وهذا العلم يتولاه الفقهاء ويشرح الاختصاصات المالية ربع المعاملات من الفقه ، ويشرح الاختصاص بحل الحراثة أعني النساء ربع النكاح ، ويشرح الزجر عن مفسدات
هامش
( 1 ) انظر : احياء علوم الدين ، الجزء الأول ، ص 5 - 6 .
( 2 ) جواهر القرآن : ص 15 - 16 .