للخلاص . إن عمارة الدنيا مقدمة لعمارة الآخرة ، وبدلا من أن يكون الخلاص الأخروي نتيجة للفعل الانساني في عمارة الدنيا وتحقيق وجوده فيها صار تقسيم الناس هو الحل ، فصار هناك أهل الدنيا وهم أهل الظاهر الذين يكفيهم الايمان العادي ليحقق نجاتهم من العذاب ويوصلهم إلى النعيم « المادي » ، وهناك أهل الآخرة وهم أهل الباطن الذين يعانقون الحقيقة ويفنون فيها فيفوزون بالنعيم الدائم .
ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن مثل هذا التقسيم الديني إلى خاصة وعامة كان بمثابة قلب للتقسيم الاجتماعي الواقع في المجتمع . كان من الضروري ما دام أهل الدنيا يتنعّمون في خيراتها ويستحوذون على متاعها أن يكون نصيبهم من الآخرة قليلا على عكس أولئك الذين لم ينالوا من الدنيا سوى التعب والنصب . ولما كان الصراع الاجتماعي لتحقيق العدل قد تحول إلى صراع ديني ضد وساوس الشيطان وخطرات النفس ومطالب الجسد ، فقد كان من الطبيعي أن تكون علوم الدنيا في الدرك الأسفل من البناء التصنيفي للعلوم عند الغزالي ، وأن تكون علوم الدين - بالمعنى الصوفي الذي انحصر في معرفة اللّه ومعرفة الطريق الموصل اليه - في قمة هذا البناء . وبين علوم الدنيا وعلوم الآخرة - أو علوم الدين - تقع علوم في منطقة وسطى بين النمطين ، وتلك هي علوم الطبقة السفلى من علوم اللباب .
3 - علوم اللباب ( الطبقة السفلى )
تقع هذه العلوم في طبقة أدنى من علوم لباب القرآن ، وكذلك تقع آيات القرآن التي تومئ إليها ، ولكنها تقع بالنسبة لعلوم الدنيا في طبقة أعلى ، ذلك أنها وان كانت أدنى من العلوم السابقة تنتمي إلى علوم القرآن ، فهي تكتسب من هذا الانتماء قيمتها التي تعلو بها على علوم الدنيا . في هذه العلوم الوسطى يضع الغزالي القصص القرآني وعلم الكلام وعلم الفقه . وإذا رتبناها من حيث أهميتها كان من الضروري أن نضع علم الفقه على رأسها .
أ - الفقه
ولقد سبقت لنا الإشارة إلى أن الغزالي أحيانا يضع « الفقه » في اطار علوم الدنيا وذلك بوصفه العلم الذي يؤدي إلى « تعريف عمارة منازل الطريق » ، فهو علم ينتمي إلى علوم الدنيا لأنه هو العلم الذي يحدد للمسلم طرائق السلوك الفردي والاجتماعي في هذه الحياة الدنيا التي هي معبر إلى الآخرة . انه علم من علوم الدنيا إذا قورن بعلوم اللباب التي سبقت الإشارة إليها . وإذا كان كتاب « احياء علوم الدين » كما يقول الغزالي يبدو من حيث الظاهر والشكل ومن حيث تقسيم أبوابه وفصوله كتابا في الفقه ، فان هذه هي الصورة الخارجية فقط لأنّ مضمونه هو « فقه الطريق إلى الآخرة » إذا صح لنا هذا القول . ان التشابه بين علم