تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
يستخدم مصطلحات صوفية مثل « علم الآخرة » و « علم المعاد » ، وأحيانا يجعل الغزالي هذا العلم سابقا - من حيث القيمة - على علم تعريف الصراط المستقيم كما سبقت الإشارة : وهو يشتمل على ذكر الروح والنّعيم الذي يلقاه الواصلون ، والعبارة الجامعة لأنواع روحها الجنة وأعلاها لذة النظر إلى اللّه تعالى ، ويشتمل على ذكر الخزي والعذاب الذي يلقاه المحجوبون عنه باهمال السلوك والعبارة الجامعة لأصناف آلامها الجحيم وأشدها ألما الحجاب والابعاد ، أعاذنا اللّه منه ، ولذلك قدمه في قوله تعالى :
( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ )
، ويشتمل أيضا على ذكر مقدمات أحوال الفريقين وعنها يعبّر بالحشر والنشر والحساب والميزان والصراط ولها ظواهر جلية تجري مجرى الغذاء لعموم الخلق ، ولها أسرار غامضة تجري مجرى الحياة لخصوص الخالق ، وثلث آيات القرآن وسوره يرجع إلى تفصيل ذلك . . . وهذا القسم هو الزمرد الأخضر « 1 » . إن تصور الغزالي للثواب والعقاب تصور يدور في ثنائية الظاهر والباطن . وإذا كان الغزالي حريصا على التمسك بالمعاني الحرفية لآيات الثواب والعقاب ، فإنه أيضا يتجاوز الدلالة الحرفية ليرى في « النظر إلى اللّه تعالى » أعلى اللذات ، وفي « الحجاب » أقصى الألم . وإذا كان تمسك الغزالي بالمعنى الحرفي لم يمنعه من التأويل ، فإنه في هجومه على الفلسفة والفلاسفة يجعل من تأويلهم لآيات الثواب والعقاب ضلالة تقترب من حد الكفر . ومع ذلك كله فالغزالي الذي يتمسك بالمعنى الحرفي لسؤال منكر ونكير وللميزان والصراط والخوض « 2 » يسلم في النص السابق بوجود مستويين : المستوى الظاهر الذي يعد بمثابة الغذاء لعموم الخلق ، والمستوى الباطن الذي هو بمثابة الحياة للخواص من العارفين ، أرباب الأحوال . ولو تأمل الغزالي قليلا مغزى هذا التقسيم لوجد نفسه في اطار مفاهيم الفلاسفة وتصوراتهم ، تلك التصورات التي وصمها بالتهافت والضلال والكفر ، وسنعود لمناقشة هذا التناقض في موقف الغزالي حين نتعرض لمفهومه للتأويل . إن تقسيم الناس إلى عامة وخاصة له إلى جانب دلالته الاجتماعية الطبقية دلالة دينية ذات نتائج خطيرة ، فالخاصة من منظور المتصوفة هم أرباب المقامات والأحوال السالكون إلى اللّه عبر التخلي عن مطالب الدنيا ومكافحة غرائز الجسد . ولكن لكي يتحقّق لهؤلاء السالكين الوقت والفراغ والضروريات لتحقيق هذه الغاية لا بد من آخرين يعملون ويشقون ويكدحون ، آخرين لو توجهوا جميعا إلى عمارة « الآخرة » لخربت الدنيا وهي شرط ضروري
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 14 . ( 2 ) انظر : احياء علوم الدين ، الجزء الأول ، ص 31 - 39 .