إن هذا التجلي الذي يحدث في القلب نتيجة للمجاهدة من شأنه أن ينقل العارف من عالم الحس والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت ، لكن هذا الانتقال لا يتم إلا عبر عالم الخيال الذي يمثل عالما وسيطا بين العالمين ، وهو « النتيجة الأخيرة من نتائج عالم الملكوت وهو القشر الأقصى عن اللب الأصفى » . وإذا كان الانسان العادي يظل عند حدود ما يقدمه عالم الخيال من اختلاط ، فإنه لا « يشاهد من الرمان إلا قشرته ، ومن عجائب الانسان إلا بشرته » . لكن الصوفي العارف المتحقق الذي تجلى الحق في قلبه يعبر هذا العالم الوسيط إلى عالم الأرواح والمعاني ، وبذلك يتجاوز « القشر » إلى « اللب » ، يتجاوز عالم الحس والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت ، يتجاوز علوم الدنيا إلى علوم الآخرة .
وإذا كان هذا التجاوز أو العبور يتم عبر عالم الخيال على المستوى السيكولوجي فإنه يتم على المستوى المعرفي عبر علوم القشر والصدف بدءا من مستواها الأدنى إلى مستواها الأعلى وهو علم التفسير الظاهر الذي يعدّ في مجال العلوم بمثابة عالم الحس والخيال في تصور الوجود . إذا تحقق الصوفي بالعبور إلى عالم الملكوت يستطيع لا شك العبور - بالتأويل - من مستوى التفسير الظاهر إلى لب النص وجواهره ودرره . وعلينا قبل أن ننتقل إلى تصور الغزالي لعملية التأويل على مستوى النص أن نستكمل أولا تصوره لعلوم القرآن وأقسام النص .
ج - تعريف الحال عند الوصول ( الثواب والعقاب )
وإذا كانت معرفة اللّه بأقسامها الثلاثة وطريق الوصول اليه ( الصراط المستقيم ) ، يمثلان اليواقيت والدرر بوصفهما أعلى العلوم وأرقاها ، بل هي في الحقيقة جوهر النص ولبابه الأقصى ، فان آخر علوم الطبقة العليا ، علم تعريف الحال عند الوصول إلى اللّه عز وجل .
والمقصود بتعريف الحال بيان المآل في الآخرة على حسب طريق السلوك في الدنيا . إن هذا القسم من النص - بعبارة أخرى - هو القسم الخاص بالثواب والعقاب ولكن الغزالي
هامش
- « الحلول » وتأكيد مفهوم « التجلي » في المرايا المختلفة يعد نوعا من « التحول » الذي أصاب الفكر الصوفي ، فقد كانت فكرة « الحلول » جزءا من البناء الفكري لتصوف الحلاج الذي صلب في بغداد عام 309 قبل ميلاد الغزالي بحوالي مائة عام . وقد مهّد الغزالي بهذا « التحويل » الطريق لابن عربي الذي أقام بناءه الفكري على أساس مفهوم « التجلي » . ولعل في هذا ما ينفي الاقتناع السائد بين أوساط الدارسين والباحثين بوجود نمطين من التصوف : أحدهما سني معتدل على رأسه الغزالي ، والآخر فلسفي منحرف يمثله ابن عربي . والحقيقة أن تصوف الغزالي - كما رأينا - لا يختلف في خطوطه العامة ومفاهيمه عن اطار الفكر الصوفي في الاسلام من حيث إنه تطور طبيعي للفكر السابق عليه وتمهيد طبيعي للتطور الصوفي الذي تم بعده .