تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
القرآن من غفل عنه لم تفتح له أصداف القرآن عن جواهره البتة ، ثم إن صدقت رغبتك شمّرت للطلب واستعنت فيه بأهل البصيرة واستمددت منهم فما أراك تفلح لو استبددت فيه برأيك وعقلك . « 1 » . ولكن كيف يؤدي هذا السفر إلى المعرفة ؟ وكيف يؤدي الانقطاع عن علائق الدنيا وملازمة الذكر إلى اكتشاف أسرار الوجود وأسرار النص في نفس الوقت ؟ ان الانتقال من عالم الملك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت انتقال يتم بالروح والقلب دون الجسد ، ولا يتم هذا الانتقال إلا بالمجاهدة التي بها يتم التقليل من سيطرة الجسد والحس والمطالب الحيوانية للانسان على الروح والقلب إلى الحد الأدنى ، ثم ينتقل السالك بعد ذلك إلى تطهير القلب من الصفات الذميمة في عملية معقدة أسهب الغزالي في شرحها في كتاب « الاحياء » . وعن طريق هذا التطهير يتم جلاء القلب وصفاء الروح ، فتنجلي الحقائق في القلب . هذا هو الانتقال الذي يحدث ، فهو انتقال معنوي لا مكاني ، وهذا هو السفر إلى اللّه . وليس في هذا السفر حركة لا من جانب المسافر ولا من جانب المسافر إليه فإنهما معا ، أو ما سمعت قوله تعالى وهو أصدق القائلين
( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ )
بل مثل الطالب والمطلوب مثل صورة حاضرة مع مرآة ولكن ليست تتجلّى في المرآة لصدأ في وجه المرآة . فمتى صقلتها تجلت فيها لا بارتحال الصورة إلى المرآة ولا بحركة المرآة إلى الصورة ، ولكن بزوال الحجاب ، فان اللّه تعالى متجلّ بذاته لا يختفي إذ يستحيل اختفاء النور ، وبالنور يظهر كل خفاء ، واللّه نور السماوات والأرض . وانما خفاء النور عن الحدقة لأحد أمرين : إمّا لكدورة في الحدقة وإمّا لضعف فيها إذ لا تطيق احتمال النور العظيم الباهر كما لا تطيق نور الشمس أبصار الخفافيش فما عليك إلا أن تنقّي عن عين القلب كدورته وتقوي حدقته فإذا هو فيه كالصورة في المرآة حتى إذا غافلك في تجليه فيها بادرت وقلت إنه فيه وقد تدرع باللاهوت ناسوتي إلى أن يثبتك اللّه بالقول الثابت فتعرف أن الصورة ليست في المرآة بل تجلت لها ، ولو حلت فيها لما تصوّر أن تتجلى صورة واحدة بمرايا كثيرة في حالة واحدة ، بل كانت إذا حلّت في مرآة ارتحلت عن غيرها ، وهيهات فإنه يتجلّى لجملة من العارفين دفعة واحدة . نعم يتجلى في بعض المرايا أصح وأظهر وأقوم وأوضح ، وفي بعضها أخفى وأميل إلى الاعوجاج عن الاستقامة وذلك بحسب صفاء المرآة وصقالتها وصحة استدارتها واستقامة بسط وجهها فلذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : ( ان اللّه تعالى يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة ) ومعرفة السلوك والوصول أيضا بحر عميق من بحار القرآن « 2 » .
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 32 - 33 . ( 2 ) جواهر القرآن : ص 12 - 14 . ومن الضروري الإشارة إلى أن حرص الغزالي هنا على نفي فكرة -