تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
كما قال اللّه تعالى
( وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا )
أي انقطع اليه والانقطاع اليه يكون بالاقبال عليه والاعراض عن غيره ، وترجمته قوله
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا )
والاقبال عليه انما يكون بملازمة الذكر ، والاعراض عن غيره يكون بمخالفة الهوى والتّنقّي عن كدورات الدنيا وتزكية القلب عنها ، والفلاح بتنحيتها كما قال اللّه تعالى :
( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى )
فعمدة الطريق أمران : الملازمة ، والمخالفة - الملازمة لذكر اللّه تعالى ، والمخالفة لما يشغل عن اللّه - وهذا هو السفر إلى اللّه . « 1 » . هذا التبتل والانقطاع بملازمة الذكر وبمخالفة النفس والهوى من شأنه أن يؤدي عبر مراحل السلوك الصوفي العديدة إلى الانتقال من عالم الحس والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت ، ويؤدي بكلمات أخرى إلى الاتصال بعالم المعاني والأرواح ومفارقة عالم الصور والأجساد . وبهذا الانتقال يتم العبور من الظاهر إلى الباطن وتأويل النص بتجاوز مستوى التفسير الظاهر إلى معانقة علومه الباطنة واكتشاف أسراره المستكنّة وراء القشر والصدف . وبدون هذا السفر يستحيل الوصول ، ويستحيل الانتقال من هذا العالم الحسي إلى ما وراءه من عالم الغيب والملكوت . ان وجه العلاقة بين العالمين - عالم الملك والشهادة وعالم الغيب والملكوت - لا يمكن لغير الصوفي العارف المحقّق أن يعرفه ، ويظل الانسان العادي الذي يمثل أغلبية المسلمين سجينا داخل أسوار هذا العالم ، عالم الحس والصّور ، عاجزا عن ادراك حقيقة العلاقة بين العالمين ، ناهيك أن يتجاوز قضبان السور الذي يحبسه : لعلك تقول فاكشف عن وجه العلاقة بين العالمين وأن الرؤيا لم كانت بالمثال دون الصريح وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم كان يرى جبريل كثيرا في غير صورته وما رآه في صورته إلا مرتين ؟ فاعلم أنك ان ظننت أن هذا يلقى إليك دفعة من غير أن تقدم الاستعداد لقبوله بالرياضة والمجاهدة واطراح الدنيا بالكلية والانحياز عن غمار الخلق والاستغراق في محبة الخالق فقد استكبرت وعلوت علوا كبيرا ، وعلى مثلك يبخل بمثله ، ويقال :
جئتماني لتعلما سر سعدي * تجداني بسر سعدي شحيحا
فاقطع طمعك عن هذا بالمكاتبة والمراسلة ، ولا تطلبه إلا من باب المجاهدة والتقوى فالهداية تتلوها وتثبتها كما قال اللّه تعالى
( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا )
، وقال صلّى اللّه عليه وسلم ( من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لا يعلم ) . واعلم يقينا أن اسرار الملكوت محجوبة عن القلوب الدنسة بحب الدنيا التي استغرق أكثر همها طلب العاجلة ، وانما ذكرنا هذا القدر تشويقا وترغيبا ، ولننبّه به على سر من أسرار
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 12 .