تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
وهو علم المعاد بوصفهما علمين لا يجوز أن يطلع عليهما أكثر الخلق ، ان علم معرفة اللّه تعالى كما أشار الغزالي من قبل بفروعه الثلاثة هو أشرف العلوم . ويتلوه في الشرف علم الآخرة وهو علم المعاد كما ذكرناه في الأقسام الثلاثة وهو متصل بعلم المعرفة ، وحقيقته معرفة نسبة العبد إلى اللّه تعالى عند تحققه بالمعرفة أو مصيره محجوبا بالجهل . وهذه العلوم الأربعة ، أعني علم الذات والصفات والأفعال وعلم المعاد أودعنا من أوائله ومجامعه القدر الذي رزقنا منه مع قصر العمر وكثرة الشواغل والآفات وقلة الأعوان والرفقاء بعض التصانيف لكنا لم نظهره فإنه يكلّ عنه أكثر الأفهام ويستضرّ به الضعفاء وهم أكثر المترسمين بالعلم ، لا يصلح اظهاره إلا على من أتقن علم الظاهر وسلك في قمع الصفات المذمومة من النفس وطرق المجاهدة حتى ارتاضت نفسه واستقامت على سواء السبيل فلم يبق له حظّ في الدنيا ولم يبق له طلب إلا الحق ورزق مع ذلك فطنة وقّادة وقريحة منقادة وذكاء بليغا وفهما صافيا . وحرام على من يقع ذلك الكتاب بيده أن يظهره الّا على من استجمع هذه الصفات « 1 » . ولا شك أن هذا التحويل لطبيعة النص ولوظيفته يرتكز إلى المفهوم الأشعري لماهية الكلام الإلهي من جهة ، كما أنه يرتكز إلى المفهوم الصوفي للخلاص الذاتي بالوصول إلى معانقة المطلق والفناء فيه من جهة أخرى . لم تعد غاية الوحي تأسيس مجتمع وبناء واقع يقوم النص فيه بدور المرشد والهادي ، بل صارت الغاية هي الوصول إلى المطلق عبر فك شفرة النص ورموزه . لم يعد الانسان عضوا في مجتمع حي متفاعل بل صار وحيدا مع المطلق اما عارفا متوحدا ، أو جاهلا محجوبا ، وصارت حياة الانسان رحلة للوصول إلى المطلق وصارت الدنيا طريقا للسفر . لذلك كله يكون العلم الثاني من علوم اللباب هو تعريف السلوك إلى اللّه ، أو التعريف بالصراط المستقيم الذي هو الدر الأزهر .

ب - طريق السلوك إلى اللّه

إن السلوك إلى اللّه - الطريق المستقيم - لم يعد يكمن في الاستجابة إلى أوامر الوحي وتطبيقها على سلوك الأفراد والمؤسسات الاجتماعية ، أي لم يعد يكمن في إقامة مجتمع العدل والحرية والسلام ، بل صار يكمن في التبتل والانقطاع إلى اللّه :
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 24 - 25 . ولاحظ هنا كيف يجعل الغزالي من علم « المعاد » - وهو العلم الثالث في ترتيبه المعرفي - علما أرقى من علم « تعريف الصراط المستقيم » ، وكيف يجعله علما معرفيا تاليا من حيث القيمة لمعرفة اللّه ، وهكذا يتحول أيضا إلى علم صوفي .