والنفخ والروح ، ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق وربما لا يفهمونها ان سمعوها من العالم بها ، ولو ذهبت أفصّل ما تدل عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لطال ولا تمكن الإشارة إلا إلى مجامعها . وقد أشرنا اليه حيث ذكرنا ان من جملة معرفة اللّه تعالى معرفة أفعاله فتلك جملة تشتمل على التفاصيل ، وكذلك كل قسم أجملناه لو شعّب لانشعب إلى تفاصيل كثيرة فتفكّر في القرآن والتمس غرائبه لتصادف فيه مجامع علم الأولين والآخرين . . . وانما التفكر فيه للتوصل من جملته إلى تفصيله وهو البحر الذي لا شاطئ فيه » « 1 » .
إن بحر الأفعال وحده ، وهو الدائرة الثالثة من دوائر « معرفة اللّه » يتسع ليشتمل على كل العلوم الدنيوية والدينية . وإذا كانت علوم الدنيا مفهوما يتسع ليشمل علوم الماضي والحاضر والمستقبل وهي بذلك تندّ عن الحصر ، فان علوم الدين يصعب الإحاطة بها خاصة إذا انتقلنا من علم الانسان إلى علم الملائكة ومن علم الملائكة إلى علم اللّه . ومع ذلك كله فان دائرة الأفعال هي الدائرة الأدنى معرفيا ، فمنها يبدأ الانسان رحلته المعرفية فينتقل من علوم الدنيا إلى علوم الدين ومن دائرة الأفعال إلى دائرة الصفات ، أي من الاتساع إلى الضيق حتى يصل إلى علم « الذات » وهو العلم الأعلى الأشرف « فان سائر العلوم تراد له ومن أجله وهو لا يراد لغيره وطريق التدرج فيه الترقي من الأفعال إلى الصفات ثم من الصفات إلى الذات فهي ثلاث طبقات : أعلاها علم الذات ولا يحتملها أكثر الأفهام .
ولذلك قيل لهم ( تفكروا في خلق اللّه ولا تفكروا في ذات اللّه ) وإلى هذا التدريج يشير تدرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ملاحظته ونظره حيث قال : ( أعوذ بعفوك من عقابك ) فهذه ملاحظة الفعل ثم قال : ( وأعوذ برضاك من سخطك ) وهذه ملاحظة الصفات ثم قال : ( وأعوذ بك منك ) وهذه ملاحظة الذات . فلم يزل يترقى إلى القرب درجة درجة ، ثم عند النهاية اعترف بالعجز فقال ( لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) فهذا أشرف العلوم « 2 » .
وإذا كان علم الذات أرقى دوائر علوم معرفة اللّه ، فإنه علم صعب لا يحتمله أكثر الأفهام . وإذا كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قد انتقل من الأفعال إلى الصفات إلى الذات ثم أقر بعجزه ، فما بالك بالمؤمن العادي ؟ هل يمكن أن نرى في مسلك الغزالي تجاه النص - وهو مسلك تبعه فيه ابن عربي حذوك النعل بالنعل - تحويلا من وظيفته الاجتماعية الانسانية إلى وظيفة غنوصية سرية يكون الاقرار بالعجز فيها هو غاية المعرفة ومنتهاها ؟ ! لا يتركنا الغزالي للاستنتاج والتخمين ، فهو يحدثنا عن هذا العلم وعن العلم الذي يليه - من حيث الأهمية -
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 26 - 28 .
( 2 ) جواهر القرآن : ص 24 .