تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
العلوم ليست في حقه بالقوة والامكان الذي ينتظر خروجه بالوجود بل هو بالوجود والحضور ، فكل ممكن في حقه من الكمال فهو حاضر موجود . ثم إن هذه العلوم ما عددناها وما لم نعدها ليست أوائلها خارجة عن القرآن فان جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة اللّه تعالى وهو بحر الأفعال ، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له وأن البحر لو كان مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد « 1 » . هكذا أدى التوحيد بين « القرآن » وبين الصفات الإلهية - صفة الكلام - إلى تحويل النص إلى بحر من الأسرار والعلوم لا يكاد العقل الانساني يلتقط منها سوى بعض السوانح السطحية . وفي هذا الإطار يتم التقليل من شأن العلم الانساني والتهوين من قدرة الانسان وطاقته على اكتشاف قوانين الطبيعة والكون . إن المماثلة بين « النص » والعلم الإلهي بالإضافة إلى ذلك الفصل التام بين الذات الإلهية والعالم قد أديا إلى عزل « النص » عن آفاق الانسان المعرفية ، وإلى جعل « النص » المنبع الوحيد للمعرفة . وفي هذا يربط الغزالي بين علوم الدنيا والنص قائلا : فمن أفعال اللّه تعالى وهو بحر الأفعال مثلا الشفاء والمرض كما قال اللّه تعالى حكاية عن إبراهيم
( وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )
وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته ومعرفة الشفاء وأسبابه . ومن أفعاله تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان وقد قال اللّه تعالى
( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ )
وقال
( وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ )
وقال
( وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ )
وقال
( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ )
وقال
( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )
ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان وخسوفهما وولوج الليل في النهار وكيفية تكوّر أحدهما على الآخر إلا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض وهو علم برأسه . ولا يعرف كمال معنى قوله
( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ )
إلا من عرف تشريح الأعضاء من الانسان ظاهرا وباطنا وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها . وقد أشار في القرآن في مواضع إليها وهي من علوم الأولين والآخرين ، وفي القرآن مجامع علم الأولين والآخرين . وكذلك لا يعرف كمال معنى قوله
( سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي )
ما لم يعلم التسوية
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 26 .