وأشرفها لا يعرفها أكثر الخلق بل ادراكهم مقصور على عالم الحس والتخيّل وأنهما النتيجة الأخيرة من نتائج عالم الملكوت وهو القشر الأقصى عن اللب الأصفى ، ومن لم يجاوز هذه الدرجة فكأنه لم يشاهد من الرّمان إلا قشرته ومن عجائب الانسان إلّا بشرته « 1 » .
إن مثل هذا التصور لعالم الغيب والملكوت يجعل منه أولا الأصل في حين يكون عالم الحس والشهادة هو الصورة ، انه اللب والثاني هو القشرة . وإذا كان الروح والقلب ينتميان - دون جملة الانسان - إلى عالم الغيب والملكوت فان جسده ينتمي إلى عالم الحس والشهادة .
لذلك لا بد من نقطة التقاء يلتقي فيها العالمان أو يتمازجان ، وليس ذلك إلا عالم الخيال الذي يمثّل فيما يرى الغزالي النتيجة الأخيرة من نتائج عالم الملكوت ، وهو - بالتالي - الدرجة الأولى من درجات عالم الحس والشهادة . وهذا التصور الذي يجعل من الخيال واسطة بين العالمين تصور متّسق مع تصور آخر سنشير اليه هو أن عالم الملكوت عالم المعاني في حين أن عالم الشهادة عالم الصور . وعلى ذلك يكون الخيال منطقة التقاء العالمين وامتزاجهما طالما أنه القوة الوحيدة التي يتجسد فيها المعنى ويتحول الحس إلى فكرة . . .
وإذا كانت علوم الدين كلها تنتمي إلى عالم الغيب والملكوت ، فلا شك أن ثمة علوما تنتمي إلى عالم الملك والشهادة ، وتلك هي علوم الدنيا . والغزالي حريص مثل كل علماء المسلمين على أن يجعل القرآن نبع العلوم كلها دنيوية كانت أم أخروية . ومهما كان تقدير الغزالي لعلوم الدنيا - مثل الطب والنجوم وهيئة العالم وهيئة بدن الحيوان وتشريح أعضائه وسر السحر والطلسمات إلى غير ذلك - هيّنا لأنه « لا يتوقف على معرفتها صلاح المعاش والمعاد » « 2 » فإنه يؤكد دائما أنها علوم مغترفة من بحر القرآن . ويتجاوز الغزالي ذلك إلى القول بأن العلوم التي يمكن استخراجها من القرآن يستحيل حصرها .
ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها أنّ في الامكان والقوة أصنافا من العلوم بعد لم تخرج من الوجود وان كان في قوة الآدمي الوصول إليها ، وعلوم كانت قد خرجت إلى الوجود واندرست الآن فلن يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها ، وعلوم أخر ليس في قوة البشر أصلا ادراكها والإحاطة بها ويحظى بها بعض الملائكة المقربين فان الامكان في حق الآدمي محدود ، والامكان في حق الملك محدود إلى غاية في الكمال بالإضافة كما أنه في حق البهيمة محدود إلى غاية في النقصان . وانما اللّه سبحانه هو الذي لا يتناهى العلم في حقه . ويفارق علمنا علم الحق في شيئين : أحدهما انتفاء النهاية عنه ، والآخر أن
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 11 - 12 .
( 2 ) جواهر القرآن ص 25 .