تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
إن هذا العلم الأول الذي هو لب اللب ينقسم إلى علوم ثلاثة تتدرج من الضيق إلى الاتساع ، أو من ندرة الآيات المعبرة عنها - اليواقيت - إلى الكثرة والشيوع ، فعلم الذات - الياقوت الأحمر - لا يجد الغزالي له في القرآن سوى سورة الاخلاص وآية دالّة على التقديس المطلق
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
وأخرى دالة على التعظيم المطلق
( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
. وبصرف النظر عن أن هذا تقسيم يذكرنا بابن عربي في تقسيمه الثلاثي لتجليات الذات الإلهية في العالم ، كما يذكرنا بتصوره للصّور - عالم الخيال - الضيق الأسفل الواسع الأعلى ، فان هذا التقسيم في فكر الغزالي - وعند ابن عربي أيضا - منشؤه حرص الأشاعرة على المفارقة بين الذات الإلهية وصفاتها ، وقد أدى هذا الحرص إلى عزل الذات الإلهية عن الانغماس في شؤون العالم ، وجعل الصفات هي القوى الفاعلة والمؤثرة . وإذا كان هذا العزل قد سهّل لابن عربي الولوج إلى عالم « وحدة الوجود » بالمعنى الذي شرحناه في مكان آخر ، فان بواكير هذه الوحدة موجودة عند الغزالي حين يوسع دائرة الأفعال الإلهية في قوله : « بل ليس في الوجود إلا اللّه وأفعاله ، وكل ما سواه فعله » . إذا تجاوزنا دائرة « الذات » إلى دائرة « الصفات » وجدناها تتسع أكثر فتكثر الآيات التي تشير إليها في القرآن وهي الياقوت الأصفر . لكن هذه الآيات تتزايد أكثر وأكثر في دائرة « الأفعال » ، ذلك أن أفعال اللّه تقود الغزالي إلى تفرقته بين عالم الحس والشهادة وبين عالم الغيب والملكوت . وإذا كانت الآيات التي تشير إلى عالم الحس والشهادة كثيرة فان عالم الملكوت هو العالم الحقيقي ، انه بالنسبة لعالم الشهادة بمثابة اللب بالنسبة للقشر . هذا العلم يتضمن : الملائكة والروحانيات والروح والقلب - أعني العارف باللّه تعالى من جملة أجزاء الأدمي - فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت وخارج عن عالم الملك والشهادة ، ومنها الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنس وهي التي سجدت لآدم عليه السلام ، ومنها الشياطين المسلّطة على جنس الإنس وهي التي امتنعت عن السجود له ، ومنها الملائكة السماوية وأعلاهم الكروبيون وهم العاكفون في حظيرة القدس لا التفات لهم إلى الآدميين بل لا التفات لهم إلى غير اللّه تعالى لاستغراقهم بجمال الحضرة الربوبية وجلالها ، فهم قاصرون عليه لحاظهم يسبّحون الليل والنهار لا يفترون . ولا تستبعد أن يكون في عباد اللّه من يشغله جلال اللّه عن الالتفات إلى آدم وذريته ولا يستعظم الآدمي إلى هذا الحد ، فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ( ان للّه أرضا بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوما مثل أيام الدنيا ثلاثين مرة مشحونة خلقا لا يعلمون أن اللّه تعالى يعصى في الأرض ولا يعلمون أن اللّه تعالى خلق آدم وإبليس ) رواه ابن عباس رضي اللّه عنه واستوسع مملكة اللّه تعالى . واعلم أن أكثر أفعال اللّه