الآخرة والأولى خالق السماوات العلى والأرضين السفلى وما بينهما وما تحت الثرى . « 1 »
وفي تقسيم الغزالي لآيات القرآن وللعلوم التي يمكن استخراجها منها علينا أن نلاحظ أنه يستخدم لغة قد تبدو ذات طبيعة مجازية تصويرية ، كأن يتحدث عن علوم « القشر » وعلوم « اللباب » وكما سنرى في تقسيمه لآيات القرآن إلى جواهر ودرر وإلى زمرّد . وعند حديثه عن الطبقة السفلى من علوم اللباب نجده يستخدم مفردات « العود » و « الترياق » و « المسك » . وإذا كنا هنا نكتفي بابداء الملاحظة ، فذلك لأننا سنتعرض لها بعد ذلك في حديثنا عن مفهومه للتأويل . إن آيات القسم الأول هي آيات الجواهر واليواقيت ، أو لنقل ان هذه الآيات بمثابة الكبريت الأحمر الذي ينتج اليواقيت والجواهر ؛ تلك هي الآيات التي تعرّف بالمدعو اليه في القرآن ، أو تعرف بالمتكلم . هذا القسم من الآيات .
هو شرح معرفة اللّه تعالى وذلك هو الكبريت الأحمر وتشتمل هذه المعرفة على معرفة ذات الحق ومعرفة الصفات ، ومعرفة الأفعال . وهذه الثلاثة هي : الياقوت الأحمر فإنها أخصّ فوائد الكبريت الأحمر . وكما أن لليواقيت درجات فمنها الأحمر والأكهب والأصفر ، وبعضها أنفس من بعض ، فكذلك هذه المعارف الثلاثة ليست على رتبة واحدة ، بل أنفسها معرفة الذات ، فهو الياقوت الأحمر ، ثم يليه معرفة الصفات وهو الياقوت الأكهب ، ويليه معرفة الأفعال وهو الياقوت الأصفر .
وكما أن أنفس هذه اليواقيت أجلّ وأعزّ وجودا ولا تظفر منه الملوك لعزّته إلا باليسير وقد تظفر مما دونه بالكثير ، فكذلك معرفة الذات أضيقها مجالا وأعسرها منالا وأعصاها على الفكر ، وأبعدها عن قبول الذكر ، ولذلك لا يشتمل القرآن منها إلا على تلويحات وإشارات ، ويرجع ذكرها إلى ذكر التقديس المطلق كقوله تعالى :
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
وسورة الاخلاص وإلى التعظيم المطلق كقوله :
( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
.
وأما الصفات فالمجال فيها أفسح ، ونطاق النطق فيها أوسع ، ولذلك كثرت الآيات المشتملة على ذكر العلم والقدرة والحياة والكلام والحكمة والسمع والبصر وغيرها . وأما الأفعال فبحر متسع أكنافه ، ولا تنال بالاستقصاء أطرافه ، بل ليس في الوجود إلا اللّه وأفعاله ، وكل ما سواه فعله ، لكن القرآن يشتمل على الجليّ منها الواقع في عالم الشهادة كذكر السماوات والكواكب والأرض والجبال والشجر والحيوان والبحار والنبات وانزال الماء الفرات وسائر أسباب النبات والحياة وهي التي ظهرت للحس ، وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلّها على جلالة صانعها ما لم يظهر للحس بل هو من عالم الملكوت « 2 » .
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 9 .
( 2 ) جواهر القرآن : ص 10 - 11 .